مفصليةٌ هذه الأيام التي نعبرها، ونقطة انعطافٍ كبيرة، وأعتقد أننا بحاجةٍ إلى مراجعة كل شيءٍ في محيطنا، وإلى إحداث تغييراتٍ كبيرة في نمط حياتنا؛ لأنه تأكد لنا (ولم يكن هذا جديداً) أننا نحيا وسط محيطٍ ساخن تتباين فيه المواقف. وخلال عقدين فقط، تعرّضت بلادنا إلى تهديدين كبيرين، وإلى مؤامراتٍ وتربّصاتٍ لا حصر لها. وفي زمن المسيّرات والصواريخ الجوّالة لم يعد التهديد حدودياً فقط، وهذه إيران -مثلاً- تقصف بلادنا مباشرةً أو عبر وكلائها رغم عدم تماسّنا معها حدودياً، وبالتالي تغيّر مفهوم الحدود الجغرافية. وأظنّ أننا بحاجة إلى استلهام وتطبيق تجربة دولٍ تحيا وسط محيطٍ ساخن وتحقق التفوّق؛ كتايوان الصغيرة وهي تواجه الصين، وأوكرانيا وهي تواجه روسيا ، وهذا قدرنا. وأظنّ أننا بحاجة إلى خلق وعيٍ جديد؛ وعي مسؤول يرى ويدرك هذه المخاطر ويعرف أبعادها، وربما كان إدراج التجنيد (التوعوي) مادةً في الصفوف الجامعية على الأقل أصبح أكثر إلحاحا من ذي قبل. ونحن اليوم -وأكثر من أي يومٍ مضى- بحاجة إلى إنشاء هيئةٍ ملكية أو وزارةٍ للبحث والابتكار، وإلى تأسيس مثل هذه المراكز وصناعتها في الجامعات، وأن تكون حقيقيةً وجادّةً ومطالبةً بنتائجها، ثم التوسّع في الجانب المعلوماتي والذكاء الاصطناعي، والتقليل من الجامعات النظرية التي تخرّج آلافاً من حملة الدكتوراه في مواضيع لا فائدة منها أبداً، وتقدّم شهادة دكتوراه في تاريخ المرزباني مثلاً، أو الانزياح الاستبدالي في شعر الشاعر فلان، وكل ما لا يعني أحداً ولا يضيف شيئاً للسلّم المعرفي والأمن الوطني. وأكرّر: إننا بحاجة إلى صناعة بحثٍ وتطوير حقيقية (R&D)، في الوقت الذي تنفق فيه إسرائيل -مثلاً- 7% من ناتجها المحلي على الأبحاث، أي ما يوازي 36 مليار دولار، وتعدّ الأولى في العالم (بحسب بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD). ونحن أيضاً بحاجة إلى إيجاد مراكز للبحوث والتفكير والإنفاق عليها جيداً، على أن تكون مراكز تفكيرٍ وأبحاثٍ حقيقية تستقطب المفكرين والخبراء الحقيقيين لا المزايدين وبائعي الزبدة؛ مفكرين ومستشارين وخبراء يسمّعون صاحب القرار الحقيقة كما هي لا ما يحب سماعه، والتسامح مع اختلافاتهم وتقبّلها وتشجيعها، وليس كما قال المفكر إبراهيم البليهي: (إن مجتمعنا يتصالح مع الفاسد والمنحرف ولا يتصالح مع المفكر). إننا نحيا معركة وجودٍ ولحظةً حقيقيةً حاسمةً في تاريخنا لا ينبغي التقليل من شأنها، ونحن بحاجة إلى خلق صناعاتٍ دفاعية، صناعاتٍ تساعدنا على العيش بأمانٍ وسط هذا المحيط غير الودي، صناعاتٍ فاعلة وبأيدٍ محلية وخبراتٍ محلية، ولا بأس أن نبدأ بالشراكات مع دولٍ متقدمة في هذا الشأن. وأعرف أننا قد ابتدأنا، ولكننا بحاجة إلى التسريع في هذا مع استشراف تحديات المستقبل، وألّا نقلل من الإنفاق على صفقات السلاح؛ ونحن الأكثر إنفاقاً في العالم (نسبةً إلى عدد السكان)، ومع ذلك لم نسلم من الاعتداء والتهديد، ولم يمنحنا ذلك حصانةً كما منح إسرائيل -مثلاً- حصانةً وصلت إلى حد التحدي. وألّا نعوّل كثيراً على التحالفات؛ لأنها تتغير بتغيّر الأحزاب في بلادها، ولا نريد أن نكون ورقةً أو قضيةً في صناديق اقتراعاتهم. ونحن بحاجة إلى تسريع اقتصاد المعرفة؛ ككوريا الجنوبية وسنغافورة اللتين لا تتمتعان بالكثير من المواد الأولية، لكنهما تأتيان في مقدمة الدول من حيث الناتج المحلي. ونحن بحاجة إلى إعلامٍ يمتلك مساحةً أوسع لملاحقة الفساد وفضح التجاوزات؛ فلطالما كانت الصحافة هي السلطة الرابعة والعين التي تكشف الفساد. ولقد قطعنا شوطاً كبيراً في محاربة الفساد لكن للفساد ألف وجه، وفساد المحسوبيات أحد أوجه الفساد التي يجب أن يتنبّه لها صاحب القرار. إننا نحيا وسط لحظةٍ حقيقية تستلزم حواراً وطنياً حقيقياً تحت قبة (مجلس الشورى)، وطرح القضايا بصدقٍ وتقديم ذلك لصاحب القرار؛ حواراً لا يستثني كل من يحمل فكراً أو رأياً مغايراً. وتكفينا الحوارات التي تناقش مشاكل لا وجود لها، وقدّمت توصياتٍ لم يقرأها أحدٌ عدا القلّة. لقد خرجت دول كثيرة من تحت الرماد وصنعت قوتها وتفرّدها؛ كألمانيا وكوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة، بينما نمتلك نحن الكثير جداً، غير أننا (في ظني) بحاجة إلى تغيير نمط التفكير بما يخلق دولةً قويةً مهابةً لا يفكّر أحدٌ مجرّد التفكير في التعدي عليها. والتنمية بحاجة إلى مثل هذه القوة حتى لا يتعطّل مسارها، ودائماً هناك البندقية وغصن الزيتون، الحمامة والرصاصة، والمواثيق الدولية لم تحم أحداً وشرعيتها تتآكل كل يوم؛ فوحدها القوة ثم القوة. ونحن محظوظون بقيادةٍ شجاعةٍ واعيةٍ ومدركة، قيادةٍ تسبقنا كثيراً من حيث الرؤية والإدراك، وأعرف أني لا أقول جديداً ولا ما هو غير مدرك، غير أن غيرتي على وطني وكياني تدفعني إلى قول ما يعتلج في صدري وربما صدور آخرين، والله من وراء القصد. *عميد بحري متقاعد