الذاكرة الحالمة .
استدعاني هذا المصطلح ، لما سمعته من الباحث المصري المتخصص بالأندلس الدكتور إبراهيم العسال ، وأشار إلى أن العرب يبرز عندهم الذاكرة الحالمة ؛ فتتبعت المصطلح واستخداماته ومعناه ؛ فوجدت أنها موجودة عند كل الأعراق والأديان دون استثناء .. وقد يتساءل أحدنا: ماذا نقصد بالذاكرة الحالمة؟ ولماذا طرحتها في هذا الوقت؟ قبل الإجابة، لعلي أؤجل تعريف الذاكرة الحالمة وسبب طرحها، وأبدأ بسؤال آخر: متى نستخدم الذاكرة الحالمة؟ ومتى نستلذ بها ؟ تكون الذاكرة الحالمة جميلة مع كثرة المآسي والمصائب حول الإنسان أو بما أصابه، أو بعد أن تُسد الأبواب في وجهه، وتُغلق نوافذ الفضاء من حوله، ويشعر أن الخيارات تصغر والمساحات تضيق. هنا علينا أن ننشّط الذاكرة الحالمة؛ نستدعي مفاخر المسلمين، ومفاخر العرب، ومفاخر النفس، ونستحضر من الماضي ما يبعث الأمل ويقوي العزيمة ويعين على مواصلة الطريق، وهذا كله بعد اللجوء إلى الله والاستعانة به. ونحتاجها في سفراتنا أيضًا؛ فلا نبدأ الرحلة باستعراض العقبات، وتوقع المتاعب، وصناعة التوتر، واستحضار أسوأ الاحتمالات. نستدعي الجميل من الذكريات، ونتخيل الجميل القادم، فيصبح للطريق مذاق آخر، وللرحلة لون جميل من البهجة والحبور . ونستحضرها في جلساتنا وسمراتنا؛ في المواقف الجميلة، والذكريات الطريفة، والحكايات التي تضيف إلى المجلس بهجة، وإلى الحديث تشويقًا، وإلى السمر تألقًا وسرورًا. والذاكرة الحالمة، لمن لا يعرفها، هي استدعاء الماضي مع تجميله وزركشته وتسويقه وتسويغه وتزويقه؛ نأخذ من الماضي ما يبهج النفس، ونستحضر منه ما يعين على احتمال الحاضر، ونترك للذكريات مساحتها الجميلة في الذاكرة. وهي تقع بين طرفي نقيض؛ لا تصلح للمتشائم الذي لا يرى من الماضي إلا ما يزيده حزنًا : ( أحتاج من الأماني أُمنية، أُحَقِّق بها باقي الأماني ) ولا للمفرط في التفاؤل الذي يغطي الواقع بطبقة كثيفة من الأمنيات أو ما يسمى بالإيجابية السامة . إنما نأخذ منها بقدر ما يشبع الحاجة، ويمنح النفس فسحة، مع بقاء العين مفتوحة على الحقيقة. أُعَلِّلُ النَّفْسَ بِالْآمَالِ أَرْقُبُهَا مَا أَضْيَقَ العَيْشَ لَولَا فُسْحَةُ الأَمَلِ ولعل أجمل ما فيها أنها تضفي شعورا بالأمل وراحة البال تجعلك تغيّر الطريقة والنظرة لماحدث؛ فتعطيك بصيصاً من الأمل ، وفسحة من الوقت للراحة والهدوء والاسترخاء. وتشاءُ أَنتَ مِن الأماني نجمةً ويشاء ربُّكَ أن يناولك القمر