السينما السعودية في عصر النقرة والمشاهدة السريعة.
ما الذي حقًا يُبقي الإنسان في هذا العصر جالسًا على كرسي لمدة ساعة ونصف أو ساعتين أو حتى أكثر؟ هل هي المتعة والإثارة أم عوامل أخرى؟ الحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال ربما نأخذها من داخل صناع السينما أنفسهم. ففي مقال نشرته The Atlantic حول التغير في عادات مشاهدة الأفلام لدى طلاب الجامعات الأمريكية، استندت الكاتبة إلى شهادات 20 أستاذًا في دراسات السينما حول ملاحظاتهم تجاه طلابهم، حتى أولئك الذين يدرسون السينما نفسها. ففي Indiana University، أشار أستاذ السينما Craig Erpelding إلى أن أقل من نصف الطلاب كانوا يبدأون الأفلام المقررة، وأن نحو 20% فقط كانوا يصلون إلى نهايتها. كما تحدث أساتذة في جامعات أخرى عن تشتت الطلاب أثناء عروض الأفلام، واستخدام الهواتف، ومحاولة تسريع المشاهدة أو تجاوز أجزاء من الفيلم للوصول إلى نهايته. جمهور جديد ربما يجب أن نتوقف قليلًا هنا أمام هذا التحول، ونرى الفجوة التي بدأت تتسع؛ إذ لم تعد السينما بأدواتها القديمة جاذبة لصناع السينما أنفسهم، فكيف سيكون الأمر مع الجمهور؟ لكن ذلك يضعنا أمام المزيد من التحدي: كيف للسينما أن تصمد في زمن التمرير والنقرة السريعة؟ لم تعد شاشات السينما وحدها من تثير اهتمام الجمهور. نحن اليوم أمام عصر آخر، أصبح فيه الجيل محاطًا بكل أنواع الإثارة، فهو لا يبحث عن ملء فراغ، بل على العكس تمامًا، يعيش وسط محتوى متواصل لا يتوقف. وقد لا تستغرب إذا سمعت الجمهور يتساءل عن مدة عرض الفيلم قبل الدخول إلى صالة العرض، وكأن أزمة عصر السرعة ألقت بظلالها على نوع المشاهد وطريقة تلقيه للأفلام المعروضة. وفي ظل هذا التحول، نجد أنفسنا أمام جمهور مختلف وجديد؛ جمهور اعتاد الانتقال السريع بين المحتوى، وأصبح الانتباه بالنسبة إليه جزءًا من تجربة المشاهدة نفسها. أكشن، إضاءة أم كاميرا قد يتساءل البعض بعد كل هذا التطور التقني: ما الذي ينقص السينما حتى لا تفقد مشاهديها؟ ربما نستطيع أن نكون أكثر تنبهًا إذا شخصنا أن التغير والتحول يجب أن يكون من داخل الصناعة نفسها، من أدوات السينما وعناصرها، وليس من مكان بعيد، وأن نوظف ما قد يراه البعض مشكلة لتكون هي الحل. ولنأخذ مثالًا عن الفيلم السعودي «مندوب الليل»، للمخرج علي الكلثمي، وبطولة محمد الدوخي، الذي حقق حضورًا جماهيريًا لافتًا في السوق السعودية؛ إذ سجل أكثر من 605 آلاف تذكرة في السوق السعودية، وحقق إيرادات محلية بلغت نحو 7.5 مليون دولار. وربما تصبح هذه النتيجة أكثر إثارة للتأمل إذا عرفنا أن مدة الفيلم تجاوزت الساعة والنصف. يستعرض الفيلم قصة الشاب فهد، الذي طُرد من عمله، فيضطر إلى العمل مندوب توصيل ليلي في الرياض. وفي إطار تصاعد الأحداث، وبين ظروف معيشية صعبة ومسؤولية إعالة والده المريض وأخته المطلقة وأبنائها، ينتقل الفيلم من واقعه الاجتماعي إلى مساحة أكبر من الغموض والإثارة. فما الذي كان يميز هذا العمل حتى استطاع أن يجعل المشاهد جالسًا ومتفاعلًا إلى آخر دقيقة؟ كان أكثر ما لفت انتباهي أثناء مشاهدتي لفيلم «مندوب الليل» عنصر الإثارة والتشويق منذ اللحظات الأولى، والذي لم يغب عن الفيلم حتى مع تصاعده الدرامي. كذلك كان لبناء الشخصيات والتركيز على الحدث أكثر من المكان والزمان، والبساطة في السرد، والتركيز على الصورة في الإخراج والألوان، دور كبير في جعلك تشعر بالتعاطف مع الشخصية وكأنها فرد من عائلتك، حتى آخر مشهد وآخر ثانية؛ إذ جعل المخرج عين المشاهد هي الكاميرا. صناعة تتغير في زمن متغير بين السرد والإخراج والتمثيل، تعكس السينما واقعًا جديدًا يفرضه جيل جديد بأدوات مختلفة. وتكمن طريقة العرض والسرد في فكرة المشهد وتكوينه، وفي قدرة صانع الفيلم على جذب وفهم نوع المشاهد، ليتحول من مجرد متفرج أمام شاشة إلى لاعب أساسي داخل العمل نفسه. ومن ضمن أدوات السرد، نجد أن الجمهور، وبرغم طول الفيلم، قد يبقى مستمتعًا ومنجذبًا إلى آخر دقيقة، إذا استطاع الفيلم أن يحافظ على إيقاعه ويقدم ما يدفع المشاهد إلى متابعة الأحداث. فإذا كان الوقت عاملًا يضعه المشاهد في حساباته قبل الدخول إلى صالة العرض، فإنه لا يلعب وحده الدور الأساسي في الإبقاء على حماس الجمهور حتى النهاية. ومن هنا يمكن النظر إلى فيلم One Battle After Another الأمريكي، للمخرج بول توماس أندرسون، وبطولة ليوناردو دي كابريو، كمثال آخر؛ فعلى الرغم من أن مدة الفيلم تجاوزت الساعتين والنصف، إذ تبلغ نحو ساعتين و42 دقيقة، استطاع أن يحقق افتتاحية قوية، ويوفر الفيلم عناصر تشويق وإثارة، ونصًا سلسًا، وفكرة قوية وشخصيات درامية مترابطة، ليؤكد أن طول الفيلم لا يعني بالضرورة فقدان المشاهد، وأن الوقت لا يلعب وحده الدور الأساسي في الإبقاء على حماس الجمهور حتى النهاية. مما يجعلنا نعيد النظر في الموضوعات التي نطرحها والطريقة التي نقدم بها العمل. فالمشاهد الجديد يريد أن يرى شيئًا يلامسه، ويجد نفسه فيه، لكنه في الوقت نفسه اعتاد على إيقاع بصري سريع ومتعدد الأدوات. وهنا يأتي دور المخرج والكاتب في خلق لغة سينمائية قادرة على الجمع بين عمق الفكرة وسرعة الإيقاع، وبين الهوية المحلية والأدوات الحديثة، دون أن تتحول السينما إلى نسخة طويلة من محتوى المنصات القصيرة. وتبقى السعودية مثالًا جيدًا لهذا التحول؛ إذ تبرز اليوم داخل بيئة سينمائية مختلفة وجيل جديد، مما يطرح أمامنا فرصة لبناء تحول سينمائي كبير، في صناعة داعمة وجيل راغب في المزيد من التجارب السينمائية الجديدة.