عند حضور أي فيلم سينمائي، فإن هناك مجموعة عوامل يتم البحث عنها قبل إطلاق حكم عليه، باعتبارها كفيلة لتقييمه كعمل ماتع ومُحكم الصنَّعة، موضوعياً وفنياً وتقنياً، ومن دونها سيكون الحكم مناقضاً لذلك تماماً. أهم تلك العناصر هي قدرة الفيلم على تحريك المشاعر، والتي تقع عبر بناء علاقة مع المشاهد من خلال الحكاية والسرد والشخصيات والأحداث والحوارات، ففيها يمكن تلمس قرب المقومات الموضوعية والفنية والتقنية من بلوغ درجة التأثير، وبالتالي ترك أثر يبقى بعد الانتهاء منه. الأمر الآخر، هو قدرته على استثارة التفكير، والتساؤل حول ماهيات العمل وإسقاطاته ورموزه، فضلاً عن الغوص فيما يطرحه من أسئلة ونقاط جوهرية تدفع لمزيد من التدبر والتأمل. كذلك لا يمكن الإعجاب بفيلم ما، في حال خلوه من الإمتاع البصري، سواء على مستوى الصورة أو الصوت أو الديكور، بالإضافة إلى التقطيع وعملية المونتاج التي باتت بحد ذاتها علماً له مناهجه ومدارسه. تبقى الإشارة إلى أن الأفلام التجارية دون غيرها من التصنيفات الأخرى، بحاجة إلى اللعب على جانب إثارة الفضول لدى المشاهد في اكتشاف الأحداث ومسارات الخطوط الدرامية. من خلال العناصر الأربعة سالفة الذكر سنجد أن الفيلم السعودي “المهايطية” الذي طرح مؤخراً على منصة نتفلكس لا يمتلك أياً منهم. وفي مجال النقد السينمائي حتى نصل إلى هذا الاستنتاج، علينا أن نوقد ومضات حول ثلاثة عناصر رئيسية في العمل، وهي: الكتابة، الإخراج، التمثيل. فسينمائياً، الكاتب مطالبا بإنشاء حبكة متكاملة الأضلاع، أي بناء الشخصيات، مخطط الأحداث، التتابع السردي، الخط الدرامي. وفي المهايطية، الذي قام بكتابته المصري أيمن وتّار والسعودي بدر العساف، كنّا أمام حبكة مفضوحة سَهُلَ معها إدراك كيف ستتشابك كافة الخيوط الدرامية ومتى ستنتهي، والذي تم تلخيصه في مشهد واحد جاء في بداية الفيلم، ما حول مسألة التنبؤ بعقدة مستنسخة ومُكررة ما هي إلا مسألة وقت استمر قرابة ساعة ونصف الساعة، والذي مرَّ ثقيلاً وخالٍ من أي إدهاش يستفز انتباه المشاهدين، ما يوحي بأن ما عرض على الشاشة كُتِبَ في وقت قياسي، ما بين العصف والتنفيذ. ومع ذلك، كان من الممكن تدارك الكثير من هذا كله إخراجياً، حيث أن مهمة المخرج السينمائي تتمحور حول وضع رؤية عامة لمجموعة نقاط تجعل العمل أكثر التحاماً وتماسكاً، وهي: الأسلوب البصري، البعد النفسي للشخصيات، الرسالة الفكرية، الإيقاع والزمن. إلا أن المخرج أحمد الجندي، والمشهود له بالتميز والنجاح في عدد من الأعمال المصرية، مثل: طير أنتَ، وقفة رجاله، الحرب العالمية الثالثة.. وغيرها، خالف التوقعات كثيراً. إذ لم يستوقفنا أي تكنيك يمكن التوقف عنده، فالأسلوب البصري لم يحمل أي عمق أو إيحاء من الممكن استنباطه، فيما البعد النفسي للشخصيات سقط من السياق العام، وهذا من الممكن فهمه عند ربطه بالرسالة الفكرية التي لم يتم العمل عليها، وهي: نحن نتحدث عن ماذا، ومن أجل ماذا، ولماذا، وهي الأسئلة البديهية التي تُطرح عند مناقشة أي فيلم قبل تنفيذه. أما بخصوص الإيقاع والزمن، والذي لم يضره كزمن أن يكون خطي متتابع، على الرغم من وجود فرصة لاستخدام أداة الزمن المسترجع (فلاش باك)، إلا أن علته كانت في رتمه البطيء جداً، وحلب المشاهد بحثاً عن أفيه، ولو كان مستهلكاً، لتأكيد كوميدية الفيلم. على مستوى التمثيل، يقع لوم على عاتق الممثلين الذين قبلوا أن يكونوا جزءاً من عمل سيسجل في تاريخهم، وسيتم استحضاره ولو بعد عقود، وهو بهذا الضعف الفني؛ بخاصة وأن الفيلم ضمَّ فنانين يمتلكون رصيداً ممتداً مثل الدكتور راشد الشمراني الذي ظهر بشخصية هي أقرب إلى استنساخ واضح لشخصيات سبق له تقديمها، وبجوارها وقفت مواهب يتنبأ لها بمستقبل واعد مثل زياد العمري الذي كرر في المهايطية شخصية الفتى الطائش في تكريس لأدوار سبق له وأن لعبها كثيراً، بالإضافة إلى أسماء اشتهر عنها الثقافة والدراية السينمائية مثل فهد البتيري وأضواء بدر دون أن يترك ذلك أثراً يدل على استثارته لغيرتهما الفنية. في فيلم “المهايطية” برز الجهد الإنتاجي، والتأكيد بأنه الأضخم والأعلى والأكبر.. والذي كانت محصلته استقطاب أسماء في مجالات الكتابة والإخراج، لها قيمتها وإمكانياتها، إلا أن مردودها على تطوير السينما السعودية لا يذكر، ما يطرح سؤالاً: هل باتت سمة السينما في السعودية هي الهياط، والذي أخذ الفيلم عنوانه منه، أكثر من كونها أعمال فنية قادرة على ترجمة ماهيتها ودلالتها، سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو التمثيل؟. أخيراً، من المهم التأكيد على نقطتين لرفع اللبس، بأنه لا يجب أن تكون الأفلام المقدمة ذات عمق منقطع النظير، أو تحمل قيمة بالغة تنقلها من مستوى الفُرجة إلى الخلود في التاريخ، بل على العكس تماماً، فلا ضير من إنتاج فيلم يحمل قصة مكررة، وبسيط في طريقة عرضه، مع أهمية مراعاة إلا يكون مفرغاً من أساسيات الفيلم السينمائي. النقطة الثانية، أن تناول فيلم ضعيف بالنقد دافعه تمييز الجيد من الرديء؛ بخاصة في صنعة لم تتم عقدها الأول محلياً، وعليه فإن المُنتج لازال قليلاً ومن الضروري الإحاطة به، متابعة ونقداً.