المرجفون في المدينة.
محاولات تخويف الناس وإضعاف معنوياتهم لم تكن بدايتها مع ظهور وسائل التواصل، فقد عرفتها المجتمعات منذ القدم، وذكر القرآن الكريم أصحابها بقوله: “وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ”، وبيّن ابن كثير أنهم الذين يشيعون أن الأعداء قد اقتربوا من الانتصار كذباً وافتراءً. واليوم تبدلت الوسائل وبقي الغرض، فما كان يتم تناقله في المجالس والطرقات أصبح يصل إلى آلاف الناس في ثوان معدودة، وقد يتضمن مقطعاً مجتزءاً أو عنواناً مثيراً يعطيه مظهر الحقيقة، ويجد مع الأسف من الناس من يصدّقه وينقله قبل أن يتثبت. وهذه السرعة في السوشل ميديا هي ما تراهن عليه بعض الجهات المعادية لوطننا، والأعداء الذين يرتدون ثياب الأصدقاء مستغلة بذلك قلق الناس عند وقوع أي حدث أو حادث هنا وهناك، وتضيف إلى ما حدث بهارات تحسينية تخدم غرضها المشين، حتى يضخم الحادث بأكبر من حجمه، ويخيّل إلى المتابع البعيد أن الحياة تعطلت وأن الخوف استولى على الجميع. والمؤسف أن بعضنا قد يساعد هؤلاء الأعداء دون قصد، حين يعيد نشر ما يصله بدافع الحرص والتحذير، فيصبح شريكاً في نشر القلق الذي أراد أن يحمي المجتمع منه. ولذلك فإن أول ما نحتاج إليه في مثل هذه الظروف هو التثبت ولا غير، وأخذ المعلومة من مصادرها الموثوقة، مع الالتزام بتعليمات الجهات المختصة. فمن حقنا أن نسأل ونطمئن، ومن واجبنا أيضاً ألا نسمح لمروّجي الشائعات بأن يوجّهوا مشاعرنا ويهزّوا ثقتنا بالله أولاً، ثم بحكمة قيادتنا الرشيدة وكفاءة رجالنا وقدرة مؤسساتنا بشتى أنواعها على التعامل مع المواقف الصعبة. وقد رأينا هذه الثقة في موقف الموظفة السعودية عبير العجمي أثناء إخلاء صالة مطار الملك خالد الدولي التي وقع فيها الحادث، وهي توجه المسافرين وتساعدهم على الخروج برباطة جأش وإحساس بالمسؤولية. كانت في موقع الحدث، ومع ذلك واصلت أداء واجبها ومساعدة من حولها. وموقفها هذا يستحق أن نتأمله؛ فبينما تسعى حسابات مغرضة إلى نشر الارتباك والإيحاء بالفوضى، كانت ابنة الوطن تعمل على تهدئة الناس وإرشادهم إلى ما يحفظ سلامتهم. وهذا هو التصرف الذي نحتاج إليه، كلٌّ في موقعه، رجل الأمن يؤدي واجبه، والموظف يرشد ويساعد، والمواطن يتعاون ويلتزم بالتعليمات ويحفظ لسانه وهاتفه من نقل ما لم يتثبت منه. وبهذا تتكامل الجهود، ويصبح تماسك المجتمع عوناً لمن يسهرون على حمايته، وتترجم ثقتنا بقيادتنا وقواتنا إلى سلوك مسؤول تظهر قيمته وقت الشدة. إن ما قدمته عبير من ثبات وحسن تصرف يدعونا إلى الاعتزاز ببنات هذا الوطن وأبنائه، وإلى أن نسأل أنفسنا قبل إعادة نشر أي خبر: هل نعين به المجتمع على فهم ما يجري، أم نزيد خوفهم بما لا نعلم صحته؟ فالمرجف مهما رفع صوته يحتاج إلى من ينقل عنه، وأقل ما نقدمه لوطننا أن نتثبت يقيناً قبل أن نكون ذلك الناقل.