لماذا لا يشفى كل شيء؟
الألم تجربة لا تُنقل. مهما شرحناه، يبقى ما يصل إلى الآخر أقل مما نشعر به. وهو يشبه الحب في هذا: كلاهما يُعاش أكثر مما يُوصف، ولا ألم يشبه ألمًا آخر. لذلك يصعب أن نقول لإنسان متألم: «سيمرّ»، فلكل ألم وجهه الخاص. لكن يبقى السؤال الذي يجمعنا: ماذا يفعل الزمن بجراحنا؟ الزمن لا يشفي بمعنى أنه يمحو، لكنه يغيّر علاقتنا بالألم. قد يخفّ الألم حتى يكاد يختفي، وقد يبقى منه أثر؛ وفي الحالتين، نتعلم مع الوقت أن يكون له مكان أضيق في حياتنا. وهذا هو الشفاء الممكن: ليس بالضرورة زوال الجرح، بل تغيّر موقعه فينا، من مركز حياتنا إلى أطرافها. أحيانًا يمرّ بجانبي أحدهم في مكان عام، فيسبقه عطره إليّ: مسك دافئ. أتوقف لحظة، فأنا أعرف هذه الرائحة؛ تعيدني إلى شخص كان قريبًا في زمن مضى. كنتُ في الماضي سأسرع الخطى هاربة. اليوم أتنفسها حتى تمرّ، وأكمل طريقي بلمحة حزن لا تهدم شيئًا. ولهذا ليس النسيان شفاءً. فلو اختفى أثر كل جرح، لفقدنا ما علّمنا إياه. لكن أن نتذكر الجرح فلا يقودنا، وأن يظهر أثره في تفكيرنا واختياراتنا وعلاقاتنا، فذلك أقرب ما يكون إلى الشفاء. ومن هنا يظهر الفرق بين الاعتياد والتعايش. الاعتياد أن يحتل الجرح المركز، فنبني هويتنا حوله ونرى أنفسنا والحياة من خلاله. والتعايش أن نعترف بوجوده دون أن نسمح له بأن يختصر حياتنا أو يحدد مستقبلنا. ولا يعني هذا أن كل ألم مدرسة. بعض الآلام تغيّرنا وتنضجنا، وبعضها لا يترك درسًا يُذكر، وحسبنا أننا نجونا منه. ليس علينا أن نخرج من كل جرح بحكمة، ولا أن نثبت للحياة أننا استفدنا. وقد تكون المسامحة جزءًا من الشفاء لبعضنا. فهي لا تعني أن ما حدث لم يؤلمنا، ولا أن نعود إلى ما كان، وإنما أن نتوقف عن حمل ذلك الألم معنا إلى كل ما سيأتي بعده. لكن المسامحة لا تأتي دائمًا، ولا تأتي بأمر، وغيابها لا يعني أن الشفاء مستحيل. فربما لا يشفى كل شيء بالمعنى الذي نتصوره، وربما لا تكون الغاية أن تختفي آثار الألم، وإنما أن يتغير موقعه: أن يبقى الجرح جزءًا من قصتنا، دون أن يكون هو القصة كلها.