عبد الله المديفر وبلاغة السؤال الإعلامي..

جدارة الموهبة في مواجهة زيف الاستحقاق.

ليس كل من أجاد الكلام أجاد الحوار، ولا كل من امتلك القدرة على طرح الأسئلة امتلك القدرة على استنطاق ضيفه؛ فالحوار الإعلامي صناعة مركّبة تتضافر فيها المعرفة والذكاء وسرعة البديهة والإصغاء وحسن التوقيت، فضلًا عن إدراك طبيعة الضيف ومفاتيح شخصيته وتكوينه الفكري والنفسي. وقد لفت نظري منذ مدة أداء الإعلامي عبد الله المديفر، وما يتمتع به من قدرات حوارية تتجاوز المهارات الإعلامية المعتادة، غير أن لقاءه بالأستاذ الدكتور محمد محمد أبو موسى، أحد أبرز علماء البلاغة العربية في عصرنا، قدّم أنموذجًا جديرًا بالتأمل؛ إذ وجد المديفر نفسه أمام عالم موسوعي أمضى عمرًا طويلًا في قراءة التراث العربي واستنطاق النصوص، وله طريقته الخاصة في بناء الأفكار واستدعاء الشواهد والانتقال من الجزئيات إلى الكليات. ومثل هذا الضيف لا تكفي لمحاورته المهارة الإعلامية وحدها، بل يحتاج إلى محاور يمتلك قدرًا من المعرفة بعالمه، ويعرف كيف يستخرج ما تختزنه ذاكرته من علم وتجارب، ويقدمه إلى جمهور متفاوت الثقافة والمعرفة. ومن أبرز قدرات المديفر الإعداد المعرفي للقاء، وصناعة السؤال الذي يستخرج المعرفة بدلًا من الاكتفاء بطلب المعلومة؛ فثمة فرق بين سؤال يمكن العثور على إجابته في كتاب، وسؤال يستدعي من الضيف التفكير والتحليل واستحضار خبرته العلمية. وقد تجلّى ذلك في اختيار قضايا بلاغية دقيقة، من قبيل بناء الفعل للمجهول مع العلم بالفاعل، وتكرار المعاني في القرآن الكريم؛ وهي مسائل تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها تفتح أبوابًا واسعة في أسرار النظم ودقائق المعاني. ومن اللافت في أسلوب المديفر ميله إلى السؤال الموجز الواضح، دون استعراض معرفي أو محاولة لمنافسة الضيف في تخصصه. وهذه مهارة لا يُستهان بها؛ فالمحاور المتمكن يعرف الكثير ليسأل بالقليل، ويدرك أن وظيفته ليست إظهار ثقافته، وإنما استظهار ثقافة ضيفه. وقد يفسد بعض المحاورين أسئلتهم بالإطالة والاستطراد واستعراض المعلومات، حتى لا يتركوا للضيف إلا مساحة ضيقة للإجابة، بينما تكمن بلاغة السؤال في قدرته على استدعاء أوسع المعاني بأوجز العبارات. وتبرز كذلك قدرة المديفر على الإصغاء والتفاعل مع إجابات ضيفه، وهي مهارة تختلف عن مجرد انتظار انتهاء الإجابة للانتقال إلى السؤال التالي. فالمحاور الذكي لا يكتفي بالأسئلة المعدّة سلفًا، وإنما يظل يقظًا لما يرد في حديث ضيفه من إشارات وعبارات وأفكار يمكن أن تتولد منها أسئلة جديدة. وهنا يتحول الحوار من قائمة أسئلة وأجوبة إلى عملية تفاعلية تتنامى فيها الأفكار، ويصبح السؤال اللاحق امتدادًا للجواب السابق، لا انتقالًا آليًّا إلى موضوع آخر. ومن القدرات المهمة أيضًا إدراك طبيعة الضيف ومراعاة خصوصيته؛ فالعالم لا يُحاوَر بالطريقة التي يُحاوَر بها السياسي أو الرياضي أو الفنان. وأبو موسى بطبيعته العلمية يميل إلى التأصيل والاستطراد واستدعاء الشواهد، وقد يتوقف عند لفظة واحدة ليكشف ما وراءها من دقائق المعاني. ومن ثم فإن محاورته تتطلب صبرًا معرفيًّا، وقدرة على التمييز بين الاستطراد الذي يثري الحديث والاستطراد الذي يبعده عن مقصده، ومعرفة متى ينبغي التدخل ومتى يكون الصمت أبلغ من السؤال. فالصمت الواعي ليس غيابًا للمحاور، بل حضور من نوع آخر، يدل على إدراكه أن تدفق المعنى أولى من إثبات حضوره الشخصي. وتتجلى أهمية المديفر بوصفه وسيطًا معرفيًّا بين العالم والجمهور؛ إذ يواجه المحاور في مثل هذا اللقاء تفاوتًا كبيرًا بين المستوى المعرفي للضيف ومستويات المشاهدين. وهنا لا يكون المطلوب تسطيح المعرفة، وإنما تيسير الوصول إليها، باختيار المداخل المناسبة وطلب التوضيح وتقريب المفاهيم. وهذه من أشرف وظائف الإعلام الثقافي؛ لأنه ينقل المعرفة من فضائها التخصصي المحدود إلى فضاء اجتماعي أرحب، دون أن يفقدها قيمتها العلمية. ولعل من أبرز ما يميز المحاور الناضج التواضع المعرفي والجرأة المهذبة؛ فهو لا يتظاهر بمعرفة كل شيء، ولا يتردد في طلب التوضيح، كما لا تحول هيبة الضيف ومكانته دون ممارسة حق السؤال والمناقشة. والتوقير لا يعني تعطيل الحوار، مثلما أن الجرأة لا تعني إحراج الضيف أو مقاطعته طلبًا للإثارة. وإنما تتجلى المهارة في الجمع بين أدب المقام وواجب الاستيضاح، وفي إدراك أن نجاح المحاور لا يُقاس بمقدار ما يتحدث، بل بمقدار ما يستخرج من ضيفه. ومن الجوانب الجديرة بالتقدير في اختيار شخصية مثل أبي موسى أن اللقاء يفتح مجالًا لصناعة الجاذبية الإعلامية من المعرفة نفسها، بعيدًا عن الإثارة المصطنعة والتصريحات الصادمة التي أصبحت معيارًا للنجاح لدى بعض البرامج. فأن تصبح مسألة بلاغية دقيقة مادة إعلامية جاذبة، فهذا دليل على أن المعرفة ليست بطبيعتها مادة جافة، وإنما قد يكون جفافها نتيجة سوء تقديمها. وهنا تظهر قدرة الإعلامي على تحويل السؤال العلمي إلى قضية تثير فضول المشاهد، وتدفعه إلى التفكير والبحث. ومع ذلك، فإن القراءة النقدية المنصفة تقتضي ألا تتحول الإشادة بقدرات المحاور إلى إعفاء تجربته من المراجعة؛ فقد كان بالإمكان توسيع النقاش مع أبي موسى في قضايا بالغة الأهمية، مثل أزمة الدرس البلاغي المعاصر، وموقفه من المناهج النقدية الحديثة، والفجوة بين بلاغة عبد القاهر الجرجاني والبلاغة المدرسية، فضلًا عن تجربته الطويلة في قراءة الشعر العربي ونقده. غير أن طبيعة البرنامج وجمهوره وزمنه تفرض حدودًا لا يمكن تجاهلها، وليس من الإنصاف مطالبة الحوار التلفزيوني بأن يتحول إلى ندوة أكاديمية متخصصة. والذي أراه أن لقاء المديفر بأبي موسى يفتح بابًا أوسع للتأمل في بلاغة السؤال الإعلامي، وهي بلاغة لا تقل أهمية عن بلاغة الجواب؛ فالسؤال الجيد يراعي مقتضى الحال، وطبيعة المخاطَب، ومستوى المتلقي، ويختار من الأساليب ما يستخرج المعنى ويكشف خفاياه. وإذا كان البلاغيون قد عنوا بمطابقة الكلام لمقتضى الحال، فإن المحاور البارع يمارس هذه المطابقة حين يختار لكل ضيف السؤال المناسب، واللغة المناسبة، والتوقيت المناسب. وليس نجاح المحاور في أن ينتصر على ضيفه، أو يثبت أنه أكثر معرفة منه، وإنما في أن يهيئ له الظروف التي يستطيع فيها تقديم أفضل ما لديه، وأن يجعل المشاهد يخرج من اللقاء وقد اتسعت معارفه وتغيرت بعض تصوراته. ولعل أبلغ ما يمكن أن يقال في المحاور المتمكن: إنه لا يكتفي بأن يسأل عما يعرفه ضيفه، بل يعرف كيف يسأله عما لم يكن الضيف يعتزم قوله. وتلك قدرة لا يصنعها الإعداد وحده، وإنما تصنعها المعرفة والموهبة والخبرة وحضور الذهن، وهي من أبرز ما يستحق الدراسة في التجربة الإعلامية لعبد الله المديفر.