الدفاع المدني..

جهاز يصنع الطمأنينة.

في اللحظات التي تشتعل فيها النيران، أو تنهار المباني، أو تجتاح السيول المدن والقرى، تتراجع الفوارق بين الناس، وتفقد المناصب والثروات والألقاب أهميتها أمام حقيقة إنسانية واحدة: أن هناك حياة مهددة بالموت، وأن إنقاذها يستحق أن تُبذل من أجله أقصى الجهود، وربما أن يخاطر إنسان بحياته من أجل إنسان آخر لا يعرفه. وفي تلك اللحظات يظهر رجال الدفاع المدني، لا بوصفهم موظفين يؤدون واجباتهم فحسب، وإنما بوصفهم حراسًا للحياة، يقفون بين الإنسان والخطر، ويواجهون ما يفر منه الآخرون. ولعل ما يميز رسالة الدفاع المدني عن كثير من الوظائف العامة أن النجاح فيها لا يُقاس بما يُنجز من معاملات، أو بما يُحَصَّل من إيرادات، وإنما بما يُنقذ من أرواح، وما يُمنع من كوارث، وما يُصان من ممتلكات. فقد تكون أعظم إنجازاته حريقًا لم يقع، أو انهيارًا جرى تفاديه، أو كارثة استُبقت بإجراء وقائي لم يشعر به أحد. ومن هنا فإن الدفاع المدني لا يبدأ عمله عندما تقع الكارثة، بل قبل وقوعها، ولا تنتهي مسؤوليته بإخماد النيران، وإنما تمتد إلى بناء مجتمع أكثر أمنًا وقدرة على مواجهة الأخطار. لم يعرف الإنسان الدفاع المدني بمفهومه المؤسسي الحديث إلا بعد مسيرة طويلة من التجارب المؤلمة. فمنذ نشوء التجمعات البشرية، كانت الحرائق والفيضانات والزلازل والأوبئة والحروب تهدد حياة الناس ومساكنهم ومصادر رزقهم. وكان التعامل مع هذه الأخطار يعتمد في البداية على التضامن العائلي والقبلي والمجتمعي، حيث يهب الجيران لإطفاء حريق، أو إنقاذ غريق، أو انتشال محتجز تحت أنقاض منزل. ومع اتساع المدن وتعقّد الحياة الاقتصادية والاجتماعية، أصبحت النجدة الفردية عاجزة عن مواجهة الأخطار المتزايدة. فالمباني المتلاصقة، والأسواق المزدحمة، ووسائل التدفئة والإنارة القديمة، ثم المصانع والمستودعات والمنشآت الصناعية، جعلت الحريق الذي يبدأ في منزل واحد قادرًا على التهام أحياء كاملة. إذا كانت المؤسسات العسكرية والأمنية تُعنى، كلٌّ وفق اختصاصه، بحماية الدولة والمجتمع من التهديدات، فإن الدفاع المدني يركز على حماية الإنسان من الأخطار التي تهدد حياته وسلامته، سواء أكانت طبيعية أم صناعية أم ناجمة عن الحروب. ولا يسأل رجل الإنقاذ، وهو يقتحم مبنى مشتعلًا، عن جنسية المحتجز أو مذهبه أو مكانته الاجتماعية. فالإنسان في تلك اللحظة ليس إلا حياة ينبغي إنقاذها. وهذه إحدى أنبل القيم التي تقوم عليها رسالة الدفاع المدني، إذ تتحول المساواة الإنسانية من مبدأ نظري إلى ممارسة ميدانية. وعندما تتزايد النزاعات والكوارث، تكتسب هذه الرسالة أهمية استثنائية. فالحروب لا تقتصر آثارها على الجيوش، بل تمتد إلى المدنيين والمساكن، والمستشفيات، وشبكات المياه، والكهرباء. والكوارث الطبيعية لا تميز بين غني وفقير، ولا بين مدينة متقدمة وقرية نائية. ولذلك فإن قوة الدفاع المدني تعكس، في جانب مهم منها، مقدار اهتمام الدولة بحماية الإنسان، وقدرتها على تحويل هذا الاهتمام إلى مؤسسات، وأنظمة، وكفاءات، وتجهيزات. غير أن البطولة الحقيقية لا تقتصر على اقتحام النيران أو انتشال المصابين، بل تشمل أيضًا منع الخطر قبل وقوعه. فرجل السلامة الذي يكتشف خللًا في نظام إطفاء داخل مستشفى، أو يطالب بتوفير مخارج طوارئ في مدرسة، قد ينقذ أرواحًا كثيرة دون أن يعرف أصحابها أنه أنقذهم. وهكذا تتكامل البطولة الظاهرة، التي يشاهدها الناس أثناء الكوارث، مع البطولة الصامتة التي تمارسها أجهزة الوقاية والتفتيش والتخطيط. أدرك المجتمع الدولي، مع اتساع نطاق الكوارث والحروب، أن حماية المدنيين لا يمكن أن تبقى مسؤولية محلية منعزلة، وأن تبادل الخبرات والتجارب والتدريب يمثل ضرورة إنسانية مشتركة. وفي هذا السياق نشأت المنظمة الدولية للحماية المدنية، التي تعود جذورها إلى المبادرات التي أطلقها الطبيب الفرنسي جورج سان بول في ثلاثينيات القرن العشرين، بهدف إيجاد مناطق آمنة لحماية المدنيين في أوقات الحروب. ثم تطورت تلك المبادرات إلى تنظيم دولي يعنى بالحماية المدنية والتعاون بين الدول في مجالات الوقاية والاستعداد والاستجابة للكوارث. تعود البدايات المؤسسية للدفاع المدني السعودي إلى عام ١٣٤٦هـ، الموافق تقريبًا لعام ١٩٢٧م، عندما أُنشئت أول فرقة للإطفاء في مكة المكرمة، لتكون نواة الجهاز الذي تطور لاحقًا إلى المديرية العامة للدفاع المدني. وكانت مكة المكرمة، بما تمثله من مكانة دينية، وما تستقبله من أعداد كبيرة من الحجاج والمعتمرين، بحاجة إلى خدمات منظمة لمكافحة الحرائق وحماية السكان والزائرين. ومع اتساع المدن السعودية ونمو النشاط التجاري والعمراني، تزايدت الحاجة إلى تعميم هذه الخدمات وتطويرها. وقد مر الجهاز بمراحل تنظيمية وإدارية متعددة، رافقها توسع في الاختصاصات والانتشار الجغرافي والتجهيزات والكوادر البشرية. وشَكَّلَ إنشاء أول مدرسة للإطفاء والإنقاذ في مكة المكرمة عام ١٣٧٥هـ محطة مهمة في الانتقال من الاعتماد على الخبرة الميدانية وحدها إلى التدريب المنظم وإعداد الكفاءات المتخصصة. ثم جاء صدور نظام الدفاع المدني بالمرسوم الملكي رقم (م/١٠) بتاريخ ١٠ جمادى الأولى ١٤٠٦هـ، الموافق ٢٠ يناير ١٩٨٦م، ليؤسس إطارًا نظاميًا شاملًا لمهامه ومسؤولياته. وهكذا انتقل الدفاع المدني السعودي من خدمة محدودة النطاق إلى منظومة وطنية واسعة، تتبع وزارة الداخلية، وتؤدي أدوارًا أساسية في حماية الإنسان ومقدرات التنمية. ومن هنا نستحضر التحولات التي شهدتها هذه المؤسسة، ليس من حيث حجمها وانتشارها فحسب، وإنما من حيث طبيعة رسالتها وأساليب عملها. فخلال قرن واحد تغيرت المملكة تغيرًا جذريًا. وتحولت مدنها إلى مراكز حضرية واقتصادية كبرى، واتسعت شبكات الطرق والمطارات والموانئ، ونمت الصناعات النفطية والبتروكيميائية والتعدينية، وتضاعفت المنشآت التعليمية، والصحية، والتجارية، والسكنية. وكان من الطبيعي أن تتطور معها الأخطار التي ينبغي للدفاع المدني الاستعداد لمواجهتها. فالحريق في منزل تقليدي يختلف عن الحريق في برج مرتفع، والتعامل مع حادث في سوق صغير يختلف عن مواجهة تسرب مواد خطرة في مجمع صناعي، كما أن إخلاء مدرسة يختلف عن إخلاء مستشفى يضم مرضى لا يستطيعون الحركة دون مساعدة. مع اتساع المشروعات الكبرى في المملكة، وتطور قطاعات السياحة والصناعة والخدمات اللوجستية، تزداد الحاجة إلى بناء شراكات فعالة بين الدفاع المدني والقطاع الخاص، تقوم على الوقاية والتدريب وتبادل المعلومات والتخطيط المشترك. ولا تستطيع أي مؤسسة، مهما بلغت إمكاناتها، أن تحقق السلامة العامة بمعزل عن وعي المجتمع وتعاونه. فالمنزل الذي يفتقر إلى وسائل كشف الدخان، أو المدرسة التي لا يعرف طلابها مخارج الطوارئ، أو المنشأة التي تُغلق أبواب الإخلاء فيها، قد تتحول إلى موقع كارثة رغم قرب فرق الإنقاذ منها. ولهذا فإن نشر ثقافة السلامة بين المواطنين والمقيمين يمثل أحد أهم أدوار الدفاع المدني. وتشمل هذه الثقافة معرفة كيفية التصرف عند اندلاع الحريق، واستخدام وسائل الإطفاء الأولية عند إمكان ذلك بأمان، والابتعاد عن مجاري السيول، وعدم المجازفة بدخول المواقع الخطرة، والاستجابة لتعليمات الإخلاء والتحذيرات الرسمية. كما تمثل الجمعيات الأهلية والفرق التطوعية والمؤسسات المجتمعية مجالًا مهمًا للتعاون في التوعية والإسناد والإغاثة، ضمن الأطر التنظيمية المعتمدة. وقد أصبح العمل التطوعي عنصرًا متناميًا في منظومة الاستجابة المجتمعية، بما يعكس انتقال مفهوم السلامة من مسؤولية حكومية منفردة إلى ثقافة اجتماعية مشتركة. فالإنسان الذي يتعلم كيف يحمي نفسه وأسرته لا يقل أهمية، في منظومة الوقاية، عن المعدات التي تستخدمها فرق الإنقاذ عند وقوع الخطر. تحتل خدمة الحُجّاج والمعتمرين مكانة خاصة في أعمال الدفاع المدني السعودي، نظرًا لما تشهده مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة من كثافة بشرية كبيرة خلال مواسم الحج والعمرة والزيارة. وتفرض هذه التجمعات تحديات تتصل بالسلامة العامة، والاستجابة للحوادث، وإدارة الإخلاء، والتعامل مع الحرائق والظروف الجوية والمخاطر المحتملة. ولهذا تتطلب المواسم خططًا استباقية وتنسيقًا بين الدفاع المدني والجهات الأمنية، والصحية، والخدمية، والتنظيمية. ولا تقاس كفاءة هذه الخطط بعدد الحوادث التي جرى التعامل معها وحده، بل بقدرتها على منع وقوع الحوادث وتقليل آثارها وضمان سلامة الحجاج والمعتمرين. وتكتسب هذه المسؤولية بُعدًا إنسانيًا يتجاوز الحدود الوطنية، لأن ضيوف الرحمن يأتون من داخل المملكة، ومن مختلف دول العالم، ويحمل كل واحد منهم آمال أسرته وتطلعاتها إلى عودته سالمًا. وبذلك يصبح ما يقدمه الدفاع المدني في مواسم الحج والعمرة جزءً من المسؤولية الإنسانية التي تضطلع بها المملكة تجاه ملايين المسلمين. ولم تتوقف رسالة الدفاع المدني السعودي عند حدود المملكة، بل امتدت إلى المشاركة في جهود البحث والإنقاذ وإغاثة المنكوبين في عدد من الدول، تأكيدًا على أن حماية الإنسان مسؤولية أخلاقية تتجاوز الحدود الجغرافية، وأن التضامن مع المتضررين من الكوارث يمثل امتدادًا طبيعيًا للرسالة التي يضطلع بها الدفاع المدني داخل الوطن. من أبرز التحولات التي شهدها الدفاع المدني السعودي خلال السنوات الأخيرة التوسع في توظيف التقنيات الحديثة في أعمال الوقاية والاستجابة. فقد أصبحت البيانات الرقمية وأنظمة الإنذار المبكر وتقنيات الذكاء الاصطناعي والمحاكاة أدوات مهمة في تطوير القدرة على تحليل المخاطر والتنبؤ بها، ودعم اتخاذ القرار. وتتيح الطائرات المسيّرة استطلاع المواقع الخطرة ورصد الحرائق وبعض أنواع التسربات، بينما تساعد الروبوتات المتخصصة في مكافحة الحرائق في الأماكن التي قد يشكل دخولها خطرًا بالغًا على رجال الإطفاء. كما تسهم النماذج الرقمية والمحاكاة في التدريب على سيناريوهات يصعب تنفيذها في الواقع، أو قد تنطوي على أخطار مرتفعة. ولا تعني هذه التقنيات الاستغناء عن الإنسان، بل تعني توسيع قدرته على العمل وتقليل تعرضه للأخطار. فالروبوت الذي يدخل منطقة شديدة الحرارة لا يحل محل شجاعة رجل الإطفاء، وإنما يحمي تلك الشجاعة من المخاطرة غير الضرورية. والذكاء الاصطناعي الذي يساعد على اكتشاف أنماط الخطر لا يلغي دور الخبرة البشرية، وإنما يوفر لها معلومات أكثر دقة وسرعة. وهكذا تصبح التقنية وسيلة لخدمة الإنسان مرتين: بحماية المحتاج إلى الإنقاذ، وبحماية المنقذ نفسه. منذ انطلاق أول فرقة للإطفاء في مكة المكرمة، تطور الدفاع المدني السعودي إلى مؤسسة وطنية واسعة المسؤوليات، ترتبط خدماتها بحياة الإنسان اليومية، وبسلامة المدن والمنشآت، وباستمرار النشاط الاقتصادي والخدمات العامة. فليست الغاية أن يصبح المجتمع أكثر قدرة على النجاة من الكوارث فحسب، وإنما أن يصبح أقل تعرضًا لها. وهكذا لم تعد رسالة الدفاع المدني مقتصرة على مكافحة الحرائق، بل امتدت إلى صناعة الطمأنينة، حيث تصبح حماية الإنسان مسؤولية وطنية تبدأ قبل وقوع الخطر، ولا تنتهي بزواله.