أبعد من النظرة الأولى.

يبحث المبدع وصاحب الخيال الواسع عن المختلف؛ هو لا يرى ظلال الجدران، بل يرى خيوطها حين تتبدد، ولا يمعن النظر في قطرات المطر النازلة من السماء بقدر ما يشم رائحتها في الأرض ويبحث عن أثرها حين تلامس طرف غصن في شجرة وحين تمتلء بها تجويفات الصخور المتناثرة في الصحراء، المهم أن لديه ما هو أبعد مما تعطيه النظرة الأولى. استمعت إلى حوار أديب يتحدث عن أنه يحاول أن يلتقط كلماته من أحاديث الأطفال مع بعضهم، وتعرّفت على فنان تشكيلي كان يأخذ من رسوم الأطفال البريئة أفكار بعض لوحاته. كان يرى أن لديهم تفاعلًا عفويًا مع الأشياء يعطي معاني مختلفة عن السائد. اليوم، مع أدوات الذكاء الاصطناعي، خصوصًا وهي تعتمد على النماذج اللغوية الكبيرة، باتت مساحة الكتابة والتعبير أكبر لدى الجميع، لكن كثيرًا مما أقرأ من النصوص يحمل الملامح والسمات نفسها وكأنها نسخة طبق الأصل، ولا يلامس النص أرواحنا بقدر ما يقدم أفكارًا عامة لا حرارة فيها، كما ينتظم عبر مصفوفة واضحة من الكلمات والعبارات، حتى إنك يمكن أن تقرأ الكلمة وتتنبأ بما سيأتي بعدها غير ما تحلمه الكتابة من لزم واضحة في مستهل الكلام. أتابع قنوات ومنصات عالمية، وأقرأ بشكل أسبوعي عددًا من الدراسات الحديثة الصادرة حول تقاطعات الذكاء الاصطناعي مع الأشياء، خصوصًا في عالم الكتابة، وكل يوم تقرأ نتائج تعيد ترتيب أفكارك. بعضها يجعلك ترى أن الموضوع يرتبط بما يسمى مفهوم الثقة، وبمدى تقبّل المتلقين لما يُطرح عليهم من نصوص؛ إذ قد يتراجع تقدير بعضهم لها حين تُنسب إلى الذكاء الاصطناعي. وهنا ينبثق سؤال: هل تؤثر العلاقة مع الكاتب والثقة فيما يقدمه في المتلقي؟ أعود إلى الإبداع الذي يحيط بالإنسان، ولا يحتاج منه سوى إعمال حواسه والنظر أبعد من المكان الذي يقف فيه. أقرب مثال على ذلك ما تركناه في دفاتر التعبير في المرحلة الابتدائية من موضوعات عن الطبيعة ورسم المنازل وحب الوالدين وغيرها تكاد تكتنز فيها الأخطاء النحوية والأملائية، وتعاني من فقر في مفرداتها قياسًا بتجربة أطفال للتو يشقون طريقهم في التعليم والحياة لكنها كتابات لا تشك في صدقها وعفويتها وما يتسرب بين كلماتها من نقاوة وجمال وخيال وشجن.