أنتم لا تعرفون هاشم بركي الجحدلي كما عرفته. قد تعرفون الشاعر الذي يفتح للقصيدة نافذة على روحه، والصحافيّ الذي عبرت من بين يديه حكايات الناس وأخبارهم، والقارئ الذي يطارد الكتب كأنّ بينه وبينها مواعيد قديمة. لكنكم ربما لا تعرفون ذلك الطفل المشاكس الذي يسكن الرجل، ويستيقظ قبله كل صباح، ويعبث بأزرار العالم، ثم يقف جانباً يراقب ما أحدثته أصابعه من فوضى، ويضحك ببراءة المذنب الذي يعرف أن أحداً لن يستطيع معاقبته. هاشم الذي أعرفه حكاية يصعب الإمساك بأطرافها. كلما ظننتَ أنك وصلت إلى آخرها، أخرج من جيبه تفصيلاً صغيراً يفتح باباً لحكاية أخرى. يستطيع أن يأخذك إلى أقصى درجات الجدية، ثم ينسف المشهد كله بمشاكسة لا تخطر على بالك. وقد يفعل العكس تماماً، فينتشلك من ضحكة طويلة إلى فكرة عميقة، كأنه يختبر قدرة الحياة على تغيير ملامحها في اللحظة الواحدة. ومع هاشم عليك أن تكون مستعداً لكل شيء، إلا الملل، فهو الشيء الوحيد الذي لا يعرف طريقه إليه. لا أدري كيف استطاع هذا الرجل أن يكبر كل هذه السنوات ويترك طفولته سليمة من الخدوش. الناس عادة يفقدون شيئاً من دهشتهم كلما تقدموا في العمر، ويتعلمون إخفاء مشاعرهم وراء وجوه مناسبة للمناسبات. أما هاشم فقد احتفظ لنفسه بحقّ العبث، وحق الضحك في غير موعده، وحقّ أن يقول ما يفكر فيه بتلك المشاكسة التي تجعل الآخرين يتساءلون إن كان يمزح أو يتحدث بجدية. وربما كان يستمتع بهذا الالتباس، فوضوح الأشياء الكامل يحرمه من متعة تحريكها قليلاً. ولهاشم علاقة خاصة بالتفاصيل. أقول إنه سيدها لأنني أعرف كيف يمكن لتفصيل عابر أن يستولي على انتباهه، وكيف يستطيع أن يعثر في الأشياء الصغيرة على ما يفوت أصحاب النظرات الواسعة. التفاصيل عنده كائنات حية، لها أسماء وأمزجة وتواريخ وعلاقات متشابكة. إذا تحدث عن كتاب، انفتحت أمامك سيرة مؤلفه، وحكاية ترجمته، وملامح ناشره، وربما قادك إلى كتاب آخر لم تكن تعرف بوجوده. ذاكرته أشبه بمدينة مكتظة بالأبواب، وكل باب يعرف الطريق إلى باب مجاور. والعجيب أنه يتحرك في هذه المدينة بخفة من يعرف سكانها واحداً واحداً. ولعل مكتبته الكبيرة تكشف جانباً من هذه الشخصية. فقد تحدث في إحدى تغريداته عن اقتناء ألفين وستمئة كتاب خلال عام واحد. تخيلوا رجلاً يضيف إلى حياته كل هذا العدد من الكتب، فيما يكافح آخرون لإيجاد مكان لكتاب جديد على رفوفهم. غير أن الأرقام لا تفسر شغفه. هاشم يذهب إلى الكتب وفي داخله جوع لا ينتهي، كأنّ كل كتاب يعده بسرّ لم يسمعه من قبل. يقرأ لأنّ العالم، مهما اتسع، يظل أصغر من فضوله، ولأنّ المعرفة عنده مغامرة تستحق أن يضيع المرء في دروبها دون أن يسأل عن طريق العودة. وأظنّ أن الطفل الذي يسكنه هو نفسه الذي يقوده إلى المكتبات. ذلك الطفل الذي يريد أن يعرف ماذا يوجد خلف الباب، وماذا يخبّئ (الصندوق)!، وإلى أين تمضي الحكاية بعد صفحتها الأخيرة؟. لا يكتفي بما يعرفه، ولا يتعامل مع القراءة باعتبارها واجباً ثقافياً يمنحه مكانة بين المثقفين. إنه قارئ مأخوذ بلذة الاكتشاف، وهذه اللذة بالذات هي التي تحمي الإنسان من شيخوخة الروح. يستطيع الزمن أن يغيّر ملامح هاشم، لكنه سيجد صعوبة بالغة في إقناع فضوله بالتقاعد. وفي الشعر أيضاً يحمل هاشم شيئاً من هذه الفوضى الجميلة. القصيدة عنده زائرة لها مزاجها الخاص، وقد تحدث عن انهمارها على الشاعر وحاجتها إلى المناخ الذي يسمح لها بالحضور. أحب هذه العلاقة التي تترك للكلمات حريتها، وتمنح الشاعر دور المضيف الذي يعرف كيف يستقبل ضيفاً عزيزاً. ولعل في ذلك تفسيراً لوجه آخر من شخصيته، فهو لا يحب أن تسير الحياة وفق تعليمات صارمة، ولا أن تتحول الروح إلى موظف يوقّع كل صباح في دفتر الحضور والانصراف. لكنني حين أتحدث عن هاشم، أجد أن الكتب والشعر والصحافة، على أهميتها، تتراجع قليلاً أمام الإنسان الذي عرفته. أمام ذلك النبل الذي لا يحتاج إلى مناسبة كي يظهر، والصداقة التي تمنحك شعوراً بأن في العالم مكاناً آمناً تستطيع أن تذهب إليه دون موعد. النبل عند هاشم طبع متجذر في شخصيته، يظهر في طريقته في التعامل مع الآخرين، وفي قدرته على الاحتفاظ بالمودة وسط اختلاف الطباع والآراء. وما أجمل أن يكون الإنسان واسع المعرفة، ثم يظل قلبه أوسع من مكتبته. الصداقة معه تجربة لها إيقاع مختلف. عليك أن تقبل هاشم كما هو، بكل ما يحمله من مفاجآت ومشاغبات وانعطافات. لن تحصل منه على نسخة مهذبة بعناية لإرضاء الجميع. ستجد رجلاً حقيقياً، يقول ويضحك ويشاكس، وقد يدفعك إلى الضحك وأنت تحاول أن تحتفظ بوقارك. وفي زمن يبالغ فيه الناس في هندسة صورهم أمام الآخرين، تبدو هذه العفوية هدية نادرة. إنها تمنح الصداقة حرارتها، وتعيد إلى العلاقات الإنسانية شيئاً من بساطتها الأولى. والمشاكسة عند هاشم تستحق فصلاً مستقلاً في تاريخ المشاكسات العربية. إنها موهبة تحتاج إلى سرعة بديهة، وحسّ بالتوقيت، وقدرة على قراءة الوجوه. يعرف كيف يقترب من حدود الجدية، ثم يضع إصبعه على الزر الذي يغيّر اتجاه المجلس. ولديه، كما أراه، استعداد دائم لاختبار الاحتمالات الطريفة المختبئة في الكلام. قد تكون الجملة عادية تماماً، لكنه يعثر فيها على فتحة صغيرة يمر منها إلى الضحك. وحين تنجح مشاكسته، يصبح المشهد كله ملكاً لطفل سعيد بما صنعته يداه. ومع ذلك، فإن وراء هذه الروح المرحة حساسية إنسانية تستحق التأمل. فالذين يحتفظون بقدرتهم على الضحك ليسوا بالضرورة أقل معرفة بأوجاع الحياة. ربما يكونون أكثر الناس إدراكاً لحاجتنا إلى فسحة من الضوء. الضحك عند هاشم، في نظري، طريقة للعيش، ومحاولة دائمة لإنقاذ اللحظة من ثقلها. وهو يملك تلك القدرة العجيبة على جعل الحضور أكثر ألفة، كأنّ المشاكسة تمد جسراً سريعاً بين القلوب، وتزيل الحواجز التي تصنعها الرسميات. ولأن هاشم ابن تجربة صحافية طويلة، فقد رأى من العالم وجوهاً كثيرة. الصحافة مهنة تمنح صاحبها فرصة الاقتراب من البشر في لحظات متباينة، وتضعه أمام الحكايات التي لا تجد مكاناً في الكتب. وقد بلغ فيها موقع نائب رئيس تحرير صحيفة «عكاظ»، وهو موقع يحمل مسؤولياته وضغوطه وحساباته اليومية. أتخيل كم احتاج إلى تلك الطفولة التي تسكنه كي يحافظ على روحه وسط صخب الأخبار ومواعيد الطباعة وتقلبات المهنة. فالمؤسسات الكبيرة قادرة على تعليم الإنسان الانضباط، لكنها قد تسلبه شيئاً من حريته الداخلية إن استسلم لها تماماً. وهاشم، الذي أدرك الصحافة والثقافة، يعرف أن العالم أكبر من الأحكام السريعة. أعجبني في أحد أحاديثه دفاعه عن حرية القراء في اختيار كتبهم، ورفضه الوصاية على أذواقهم. إنها فكرة تكشف احتراماً أصيلاً لحق الإنسان في أن يكتشف طريقه بنفسه. فالقراءة رحلة شخصية، وما يفتح نافذة في روح قارئ قد لا يعني شيئاً لقارئ آخر. وربما لهذا يحب هاشم التفاصيل، لأنها تحرره من التعميم، وتجعله يرى الفروق الدقيقة بين الناس والأشياء. أحياناً أتساءل ماذا يحدث داخل رأس هاشم حين يصمت. هل تتزاحم الكتب على أبواب ذاكرته؟ هل تتشاجر قصيدة مع فكرة صحافية؟ هل يستعيد وجهاً قديماً، أو يخطط لمشاكسة جديدة؟ أم أن الطفل الذي يسكنه يكون قد خرج في نزهة قصيرة، وترك الرجل يستريح قليلاً من (صخبه) الداخلي؟ لا أعرف، لكنني أعرف أن الصمت عند أصحاب الأرواح المزدحمة لا يعني الفراغ. إنه غالباً الوقت الذي تعيد فيه الحكايات ترتيب نفسها استعداداً لظهور مفاجئ. وفي هاشم شيء من أبناء القرى الذين يحملون قراهم معهم أينما ذهبوا. وقد وصف نفسه بأنه ابن قرية، وأحسب أن لهذه الجذور نصيباً في عفويته وقربه من الناس. فالقرية تمنح أبناءها معرفة مبكرة بالتفاصيل، بالأسماء والوجوه والحكايات الصغيرة، وتعلمهم أن الإنسان يُعرف بما يتركه في نفوس الآخرين. وربما حمل هاشم من تلك البدايات حساسيته تجاه الأشياء، وقدرته على تحويل العابر إلى حكاية، واليومي إلى مادة تستحق التأمل. أحب في هاشم أنه لا يبدو منشغلاً بصناعة تمثال لنفسه. فالتماثيل لا تضحك، ولا تستطيع أن تركض خلف فكرة طائشة، ولا أن تربك مجلساً رسمياً بمزحة ذكية. التمثال يحتاج إلى قاعدة ثابتة، وهاشم يحتاج إلى مساحة يتحرك فيها كما يشاء. ولعل أجمل ما في شخصيته هذه المقاومة الفطرية للتحول إلى صورة جامدة. إنه يترك للحياة فرصة أن تفاجئه، ويحتفظ لنفسه بحق أن يفاجئها أيضاً. ولست أبحث لهاشم عن كمال لا يملكه البشر. فالصداقة العظيمة لا تحتاج إلى أصدقاء بلا عيوب، وإنما إلى قلوب تتسع لاختلاف المزاج وتبدل الأحوال، وتعرف كيف تحافظ على المودة وسط تعقيدات الحياة. وأنا حين أصف نبله، فإنني أتحدث عن إحساس تركته معرفته في نفسي، وعن قيمة لا تستطيع المناصب ولا الألقاب أن تمنحها لأحد. هناك أناس يمرون في حياتنا ويتركون أسماءهم، وآخرون يتركون فينا طريقة مختلفة للنظر إلى العالم. وهاشم من هؤلاء الذين يصبح حضورهم جزءاً من ذاكرة الأيام. أريده أن يبقى كما عرفته، مشاكساً إلى الحد الذي يربك الجدية، ونبيلاً إلى الحد الذي يجعل الصداقة معه نعمة تستحق الامتنان. أريده أن يواصل مطاردة الكتب، وأن يترك لقصائده حرية المجيء والغياب، وأن يحتفظ بذلك الطفل الذي يطلّ من عينيه كلما لمح فرصة للعبث الجميل. فالعالم مزدحم بالوجوه المتشابهة، وبالأشخاص الذين أتقنوا التصرف وفق ما يُنتظر منهم، حتى فقدوا ملامحهم الخاصة. أما هاشم فقد اختار، أو لعل طبيعته اختارت له، أن يظل عصياً على النسخ. ويا صديقي النبيل هاشم، أنت، ربما، قد تقرأ هذه الكلمات وتبحث فيها عن تفصيل صغير تعترض عليه، أو عبارة تصلح لأن تصنع منها مشاكسة جديدة. وربما أكثر تضحك من جديتي وأنا أحاول أن أكتب عن جنونك. افعل ما تشاء، فهذه أيضاً طريقتك في إعلان الحضور. أما أنا فقد أردت أن أقول لك شيئاً قد تضيع فرصته وسط ربكة الأيام، إنّ صداقتك من الأشياء الجميلة التي حدثت لي، وإنّ نبلك أكبر من أن تحيط به مقالة، وإن طفولتك التي تصر على البقاء تمنحنا سبباً إضافياً لمحبة الحياة. وحين يسألني أحدهم عن هاشم بركي الجحدلي، لن أبدأ بسيرته الصحافية، ولا بعدد الكتب التي اقتناها، ولا بالقصائد التي كتبها. سأقول له إنني أعرف رجلاً يستطيع أن يفتح في أكثر الأيام ازدحاماً نافذة للضحك، وأن يجعل الصداقة مكاناً صالحاً للاحتماء من قسوة العالم. إنّه رجلٌ يعرف من التفاصيل ما يجعل الأشياء أكثر حياة، ويحمل في داخله طفلاً لم يسلّم مفاتيح لعبه لأحد. ثم سأبتسم وأضيف وأقول، احذروا أن تتركوا هاشم وحده قرب أزرار العالم. فقد يغيّر ترتيبها كله، ثم يقنعكم، وأنتم تضحكون، بأن العالم صار أجمل هكذا.! أحبّك أبا هلا. (*) كاتب وصحافي سعودي