مطار الرياض

في السادسة من عمري كنت أسمع عن الرياض ولا أعرف أين هي، لكن من سألني عن أبي فجوابي هو: أبي في الرياض. كان أبي قد التحق بكلية الشريعة هناك أواخر الستينيات الميلادية، يسكن مع زملائه في بيوت كالأربطة المجانية، ويحصل على مكافأة 300 ريال تكفيه وتكفينا لنعيش عيشة طيبة. وعند عودتهم في نهاية العام كان وزملاؤه يحصلون على مقاعد مجانية في طائرات السلاح التي تطوف في جولات روتينية من “مطار الرياض” إلى أنحاء البلاد. لم أسمع بـ “المملكة العربية السعودية” إلا عند دخولي المدرسة. تخرج أبي وعمل معلما وحصل بعد ست سنوات على قرض عقاري كبقية المواطنين، وبنى عمارة وأجّرها على إحدى الدوائر الحكومية، وسافر للرياض ليستلم أول إيجارٍ للمبنى، وسافرت معه، وكنت طالباً في بداية الجامعة، ونزلت في “مطار الرياض” المطار القديم قبل إقفاله بعام واحد. لأول مرة أرى الرياض، الرياض التي درس فيها أبي، الرياض التي كنت أسمع بها، الرياض التي كانت ترسل لنا، أيام الابتدائية، فرق التطعيمات الصحية حرصا علينا، وتهدينا بعض الملابس كهدايا، وتوزع علينا، بحنان، التغذية المدرسية كل يوم...  أما مطار الرياض الجديد، والحديث عنه “مطار الملك خالد” التحفة النابضة بشخصيتنا وثقافتنا، فعرفته وأنا في الثلاثين من عمري إذ أغادر منه، أحيانا، أو أصل إليه عندما عملتُ معلّماً في شرق آسيا أوائل التسعينيات الميلادية. آلاف الواصلين، كل يوم، من كل الأرض ومئات الجنسيات، يحلمون بفرصة كريمة للعمل أو بتجارة أو زيارة أو علاج أو “آمّين البيت الحرام يبتعون فضلا من ربهم ورضوانا” آلاف المغادرين كل يوم يحلمون بإسعاد عائلاتهم بما جمعوه من نجاح كما كان أبي يعود إلينا من الرياض. ثلاثة وأربعون عاماً من جمال الأمان والمكان شهد المطار فيها عناقات الوداعات وأحضان اللقاءات، الدموع والبسمات، اللهفات والانتظارات. القصص والذكريات، جيلا بعد جيل. في 2004 انتقل عملي للرياض، فصار أسبوعي مقسّماً: مرة في غرفتي في الرياض ومرة في بيتي بجيزان ومرتين في مطار الرياض حتى تقاعدت عن العمل.  عندما غادرت الرياض دخلها ثلاثة من أبنائي طلابا في الجامعة. اليوم لي في الرياض حفيد، يصنع علاقة جيله مع مطار الرياض، كما فعل أبوه قبله، وكما فعلت أنا، وكما فعل أبي قبلي.   مع كل إجازة عيدٍ يدخل “ثامر” برفقة أبيه وعمه وعمته مطار الرياض ليركض فيه مبتهجاً، وفي بهجته حلم أبيه، وفي روحه تحيتي أنا وسلام أبي رحمه الله. لك في أعناقنا يا “مطار الرياض” دينٌ ووعدٌ أن نقتص لك حتى ترضى... للدماء الزكية، للرجال والنساء ورفاق “ثامر”. لكل المشاعر التي تموج في صالاتك منذ 43 عاماً. لكل طوبة أو زجاجة أو مزهرية حاول اللئام ترويعها.