عزلة «اللامنتمي» في الريف الإنجليزي.
وُلد الكاتب والفيلسوف الإنجليزي “كولن ويلسون” Colin Wilson في مدينة “ليستر” عام 1931، لعائلةٍ فقيرة من الطبقة العاملة، وقد تأخّر في دخول المدرسة وتركها مُبكّراً في سِنّ السادسة عشر، ليُساعد والده بالعمل في مِهَنٍ مختلفة، ساعده بعضها على القراءة في وقت الفراغ. وقد اعتاد على نصب خيمةٍ على بُعد أميال قليلة من مكتبة “المتحف البريطاني”، حيث واظب على الحضورإلى المكتبة صباح كلّ يوم، يُسجّل مُلاحظاته في سِجِلّ كبير استدان ثمنه من أحد الأصدقاء، وكانت عائلته تصفهُ “بالحالم”، وبدا لزوّار المكتبة، بملابسه البسيطة وقَصّة شعره وبدرّاجته التي يقودها، أشبه بأحد أبطال رواية “سارتر”: “دروب الحُريّة”. وحين أصدر كتابه الشهير” اللامنتمي” The Outsider عام 1956 وكان في الرابعة والعشرين من العُمر، أحدث الكتاب دويّاً هائلاً وضجّةً كُبرى، ونفدت الطبعة الأولى سريعاً وهو أمرٌ نادر الحدوث آنذاك، وتوالت الطبعات تباعاً، وندُرَ أن تجد مُثقّفاً لم يقرأ الكتاب، وقلّما خلَتْ جلسة ثقافية من الحديث عن الكتاب ومؤلّفه! لقد لبّى “اللامنتمي” حاجة القُرّاء في ذلك الوقت؛ في فترة التململ السياسي والاجتماعي والثقافي، وقدّم لهم دُفعةً واحدةً، قراءات فريدة لكٌتّابٍ أحبّهم القُرّاء وشُغفوا بهم، وكأنهم كائناتٍ عُلوية لا تنتمي إلى عالَم البشَر! لم يكن القُرّاء مُطّلعين على شخصيات أولئك الكُتّاب الإنسانية، ودواخلهم وتعقيداتهم النفسية والاجتماعية، فجاء “ويلسون” ليُقدّمهم، ليس فقط كما هُم، بل غارَ عميقاً في دواخلهم، وأعاد قراءة أعمالهم في ضوء ما سمّاه “ظاهرة الانتماء”، فبدوا لنا كشخصيات إنسانية بائسة، في صِراعهم الفِكري والنفسي مع ذواتهم ووجودهم، ومع الآخرين أيضاً! وما إن تُرجِم الكتاب إلى العربية في مُنتصف ستينيات القرن الماضي عن “دار العِلم للملايين”، حتى بلغتْ موجة “ويلسون” عند المُثقّفين العرب نوعاً من النشوة الفكرية، وانتمى “اللامُنتمون” منهم إلى هذا المٌفكّر الجديد، الذي لخّص لقُرائه مُفترَقاً جديداً في الأدب العالمي، مُغايراً للأدب الكلاسيكي والرومانسي الذي عرفوه من قبل. وما إن هدأتْ عاصفة الكتاب، حتى اختفى اسم “ولسون” من جوائز الفكر والثقافة، بالرغم من أنه استمرّ في الكتابة بغزارة، حتى أنه أصدر نحو مائة كتاب حظيَتْ بدرجاتٍ من النجاح والإخفاق. وتسرد سيرة حياة “ويلسون” في كتاب “ما وراء الإنسان الآلي” Beyond the Robot، الذي ألّفه صديقه المؤرّخ “غاري لاشمان”، فصول حياةٍ في التشرّد والأعمال الصغيرة والنوم في الحدائق، والبحث الجِدّي حول شيء واحد هو: الكتابة! يروي “لاشمان”، الذي قام بزيارة “ويلسون” مرّات كثيرة قبل وفاته في عام 2013، أن المُفكّر عاش حياته بين ما يقرب من 30 ألف كتاب، ويقول إنه لم يرَ في حياته هذا الكمّ الهائل من الكُتب إلا في المكتبات الوطنية! وقد اختار “ويلسون” حياة العُزلة مع تلك المؤلّفات في إحدى قُرى “دافن” الصغيرة في الريف الإنجليزي. ووصف “خلدون الشمعة”، الناقد ومُترجم رواية “ويلسون” الشهيرة “رجلٌ بلا ظِلّ” The Man Without a Shadow، زيارته “لويلسون” في عُزلته: حين كان مُسافراً بلا حقائب في ليلٍ فسفوري ماطِر مُنطلقاً من محطّة “بادنغتون” بلندن في قطار مُنتصف الليل، وكان وحيداً في مقصورة خالية، يُفكّر في القرية التي سيصل إليها في ساعات الصباح الأولى.. وعندما نظر من النافذة، كان المنظر حالكاً، تتخلّله أغصان الأشجار الكثّة والحشائش والنباتات، التي تُطوّق المنازل المُنعزلة والمُتناثرة على الطريق. وصل “الشمعة” إلى كوخ “ويلسون”، وفتح الباب باسماً وهو يقول: “وأخيراً جاء صديقي العربي”، ثم أمسك بيده عبر الرواق الطويل حتى وصل به إلى غُرفة النوم، وفتح له الباب هامساٌ: “لا بدّ أنك مُتعبٌ الآن، فالنوم في القطارات مٌتعذّر بل مُستحيل”. وتناول مُجلّداً منسوخاً على الآلة الكاتبة، ودفع به إلى زائره قائلاً: “هاك نُسخة من مُذكّراتي المُعدّة للطبع الآن.. لن يُنشر منها سوى عدد محدود من النُسخ المُرقّمة، وهذه هي المرّة الأولى التي اقتصر فيها النشر على عددٍ محدود جِدّاً من القُرّاء.. لا ريب أن الناشر يُريد أن يكتنز شحماً بطريقةٍ مُختلفة هذه المرّة”! وفي الصباح كان الصديقان في سيارة “ويلسون”، يسيران عبر أزقّة البلدة التي كانت قريبة من البحر، حيث قضوا النهار هناك، بين الحدائق والمقاهي، والأسئلة والإجابات.. وفي الطريق إلى محطّة القطار العائد إلى “لندن”، أصرّ “ويلسون على مُرافقة ضيفه.. كان الليل قد هبط وانتشر، وعبق المطر برائحةٍ؛ وصفها شاعرٌ مرّةً بأنها تُشبه رائحة القار المفروك بين الأصابع! وعندما تحرّك القطار، لم تكن المقصورة خاليةً بعكس حالتها في القدوم، فشعر “الشمعة” فجأةً بموجةٍ من الدفء تنتشر عبر رواق الليل الفسفوري الرحيب.