اسم العائلة: السعودية.
لا أعرف اسم الجندي الذي يحرسني .. و هو لا يعرف اسمي، لكنه يعرف أنني من أهله. لم نتصافح يوماً، و لم يجمعنا مجلس، و مع ذلك يترك بيته ليحرس بيوتنا، بيننا مسافة طويلة، لكن الأمان الذي يصلني من موقعه يجعلنا أقرب مما نظن، له أم تنتظر صوته، و ربما طفل يسأل عن عودته، و لنا جميعاً حياة فيها نصيب من يقظته، لذلك حين أقول إننا عائلة، فإنني أعني هذه العلاقة التي تجعل إنساناً لا يعرفني يقف في وجه الخطر من أجلي. و في الرابع و العشرين من أكتوبر، حمل الخبر امتحاناً جديداً لهذه العلاقة: باشر الدفاع المدني سقوط شظايا اعتراض صاروخين باليستيين أطلقتهما الميليشيا الحوثية باتجاه منطقتي مكة المكرمة و المدينة المنورة، سقطت أجزاء منهما في وادي المغمس بالعاصمة المقدسة، و شظايا في حي النزهة بجدة، و وادي جليل بالطائف، و مركز مستورة برابغ، أسماء مواقع متفرقة، يجمعها في وجداننا اسم بيت واحد. حين يدخل اسم مكة في خبر كهذا، يتوقف القلب عنده، لهذه المدينة في الوجدان مكان يسبق المسافة و يتجاوزها، فيها دعاء أم، و دمعة حاج، و ذكرى أول نظرة إلى الكعبة، و حين يقترن بها اسم المدينة المنورة، تحضر محبة مسجد رسول الله، و ذكريات الزيارة و السلام، لذلك يصل الخبر إلى داخلنا قبل أن نكمل قراءته، نشعر أن شيئاً يخصنا جميعاً قد مُسّ، مهما ابتعدت بيوتنا عن مواضع سقوط الشظايا. لكن في الخبر نفسه ما يستحق أن يبقى في الذاكرة إلى جوار الغضب: هذه الشظايا جاءت بعد اعتراض الصاروخين، أي إن هناك من وقف في طريق الاعتداء، و اختزال المشهد فيما سقط على الأرض يحجب فعل الحماية الذي سبقه، وراء كلمة «اعتراض» رجال، و استعداد، و تدريب، و قرار، و إنصاف هؤلاء يبدأ بأن نرى عملهم كاملاً، فنقدّر خطورة ما واجهوه، و نعتز بقدرتهم على التصدي له. و من حق هؤلاء الرجال، بينما يؤدون مهمتهم، أن يطمئنوا إلى البيت الذي يقفون من أجله، و أن يجدوا أهله متساندين، يدركون أن الوفاء لمن يحرسهم يظهر أيضاً في الطريقة التي يعامل بها بعضهم بعضاً. العائلة تعرف هذا المعنى بالفطرة، حين يتعب أحد أفرادها، لا يبدأ الباقون بحساب المسافة بين غرفته و غرفهم، و حين يطرق الخطر بابها، يتقدم ما يجمعهم على خلافاتهم، و السعودية بهذا المعنى عائلة واسعة، قد تختلف لهجاتنا و أذواقنا و آراؤنا، لكن خوف أم في مدينة سعودية مفهوم لدى أم في مدينة أخرى، و سلامة طفل في أقصى البلاد تستحق دعاء من لم يره. و لهذا البيت دولة تحمل مسؤولية أمنه، و قيادة تجمع قراره، و رجال يحمون حدوده و سماءه، من هنا نفهم التفافنا حول خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، و ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، نفهمه من داخل بيوتنا، من حق أبنائنا في الأمان، و حقنا في أن نبني غدنا بإرادتنا، فقوة الدولة تصل إلى كل أسرة، و مساندتها تجمع الأسر كلها خلف القرار الذي يحميها. و ما أقسى أن يحرس رجالنا هذا البيت، ثم نفتح نحن بين أهله خصومات صغيرة، نسخر من لهجة، أو نجرح منطقة، أو نفتش في صمت إنسان عن نقص في محبته لوطنه، قد يكون ذلك الصامت في مناوبة، أو إلى جوار مريض، أو مشغولاً بواجب لا نراه، العائلة المنصفة تعرف أن أبناءها لا يتشابهون في التعبير، و أنها تحتاج إلى صدق أفعالهم أكثر من حاجتها إلى تشابه أصواتهم. و حين تصل رسالة مخيفة إلى هاتف أحدنا، فإن أمامه بيوتاً أخرى قد تدخلها معه، التثبت من مصدرها الرسمي يحفظ طمأنينة أهلها، و الالتزام بتعليمات السلامة يصون حياتهم، و من حق الأم أن تقلق، و من حق الأب أن يسأل، و من حقهما علينا أن يجدا جواباً موثوقاً و كتفاً قريباً، فالبيت يقوى حين يعرف كل من فيه أن خوفه سيجد من يفهمه و يساعده على التصرف. و نحفظ لهذا البيت عدله أيضاً، للمقيم بيننا كرامته و أمانه، و للشعب اليمني حقه في الحياة و السلام، و للميليشيا المعتدية مسؤولية عدوانها، نعرف من نواجه، فلا نحمّل بريئاً وزر غيره، قيمنا جزء مما ندافع عنه، و وضوح موقفنا يصونها من غضب قد يخطئ وجهته. ثم نمضي إلى أعمالنا بضمير أكبر، الجندي يحمي، و الطبيب يعالج، و المعلم يعلّم، و العامل يبني، لا يؤدي أحدهم عمل الآخر، لكن كلاً منهم يجعل عمل الآخر ممكناً، هذه هي وحدتنا حين نراها في الحياة، لذلك فإن الاعتداء على جزء من الوطن يمس هذه الحياة المشتركة كلها، فخلف كل موقع دفاع مدرسة، و مستشفى، و مشروع، و أسرة تنتظر غدها، و من الوفاء ليقظة الجندي أن يجدها تحمي حياة تتقدم، و أبناء يتعلمون، و وطناً يزداد قدرة، نحن نحفظ ما يحرسه بالإتقان، و نمنح تضحياته امتداداً في المستقبل الذي نبنيه لأطفالنا. و ليعرف المعتدي أن بين استهداف السعودية و إخضاعها شعباً كاملاً، له قيادة يثق بها، و دولة يعتز بها، و قوات مسلحة يساندها، لن نمنحه اختلافاتنا طريقاً إلى وحدتنا، لنا في هذه الأرض أهل و ذكريات و أحلام، و كلما حاول أن يجعل أحدنا يشعر بأنه وحده، وجدنا أقرب إلى بعضنا، نعرف بيتنا، و نعرف قدره، و نعرف واجبنا نحوه. خط أخضر: لا نعرف اسم من تصدّى للصاروخ .. لكنه يعرف أننا أهله.