تكشف دلالة الكلب في الثقافة العربية الجاهلية ثم الإسلامية تحولا واضحا في معناه الرمزي والاجتماعي. فقد نظر إليه في العصر الجاهلي نظرة مزدوجة: فهو رمز للشراسة والحراسة والوفاء عند القبائل، يُضرب به المثل في الحماية والتنبيه، ويُمدح أحيانا في الشعر من حيث اليقظة والإخلاص، لكنه في الوقت ذاته قد يُستعمل للتحقير والذم عند التشبيه بالنباح أو الدناءة. وبعد أن جاء الإسلام أعاد تنظيم هذه النظرة؛ فلم يُلغ الجانب الوظيفي للكلب كالحراسة والصيد، لكنه قيّد ذلك بأحكام شرعية، فارتبط غالبا بالنجاسة في الحياة اليومية، مع بقاء قيم الرحمة وعدم الإيذاء حاضرة بقوة. وهكذا انتقل الكلب من رمز قبلي متقلّب بين المدح والذم في الجاهلية إلى كائن تُحدد دلالته ضمن إطار ديني أخلاقي واضح في الإسلام. أما في الصحراء فدلالة الكلب دلالة وجودية قبل أن تكون رمزية. فهو رفيق الإنسان في فضاء يقوم على الخطر والتيه، لذلك ارتبط بالحراسة والتنبيه من اللصوص والسباع، وباليقظة ليلا حيث يغيب الأمان ويصبح الصوت علامة حياة. نباحه في الصحراء ليس مجرد ضجيج، بل إعلان حضور في فراغ موحش، ودليل على أن المكان مأهول لا مهجور. كما مثل الكلب حدا فاصلا بين المألوف والمجهول. فهو يحرس الخيمة ليحمي الداخل من الخارج، والقبيلة من الفوضى. ومن هنا جاءت رمزيته المركبة؛ فهو وفي وحارس، لكنه أيضا قريب من الوحشية، كائن يعيش بين الإنسان والطبيعة القاسية، تماما مثل الصحراء نفسها. وتتضح هذه الدلالة المزدوجة للكلب في الشواهد الشعرية التي استثمرت صفاته في المدح، فلم تحصر صورته في الشراسة أو الدناءة، بل أبرزت ما ارتبط به من وفاء وحراسة ويقظة. وقد شبّه علي بن الجهم الخليفة المتوكل بالكلب في حفظ الود والوفاء. وهو تشبيه يكشف عن مرونة دلالة الكلب فلا ينتقي الشاعر منها سوى صفاتها التي لائم مقام المدح وتعزز صورة الممدوح. قال علي بن الجهم: أنت كالكب في حفاظك للود وكالتيس في قراع الخطوب وبالرغم من أن محقق الديوان يرى أن حكاية البيت خيالية إلا لن نهتم هنا سوى بعلاقته بذائقة العصر. فعلى المستوى الجمالي يعكس ضعف العناية بالجانب التصويري الرقيق، والاعتماد على التشبيه المباشر والواقعي الخالي من التزيين البلاغي. فالصورة الشعرية هنا خشنة، صادمة للذوق الحضري، لكنها صادقة وقوية في الدلالة، إذ تُبرز المعنى من غير مواربة أو تعقيد. وهذا يدل على أن الجمال ليس في الرقة أو الزخرف، بل في وضوح المعنى وقوة الأثر. أما ثقافيا فيكشف عن خلفية بدوية ما تزال مهيمنة حيث تُستمد القيم العليا من عالم الحيوان الصحراوي كالقوة والحماية والصبر، والقدرة على المواجهة. كما يدل على مرحلة انتقالية في الثقافة العباسية. فالذائقة الحضرية لم تفرض بعد معاييرها الجمالية، فبقي الشعر متأثرا بثقافة الصحراء حتى في بلاط الخلافة. الأمر الذي يجعل التشبيه يعكس تصادما بين ثقافة بدوية ترى الجمال في المنفعة والقوة، وثقافة حضرية ترى الجمال في اللطف البلاغي. علاوة على ذلك تكشف هذه الدلالة أن الثقافة تقيس الكائنات بخصالها العملية وليس بمكانتها الرمزية ولا مكانتها الدينية. فالوفاء قيمة عليا، حتى لو تجسّد في حيوان كالكلب. أما جماليًا، فالتشبيه يبرز صراحة التعبير وجرأته، ويُظهر أن الذوق لم يكن معنيا بتلطيف الصورة لتناسب ذوق البلاط، بل عبّر وفق ما يراه أدق تمثيل للمعنى. وهذا ما جعل المدح يبدو صادما، لكنه في جوهره مدح صادق قائم على أقصى درجات الإخلاص والالتزام. يتشابك هذا التحليل النقدي تشابكا عضويا مع الأطروحة الجوهرية لكتاب ابن المرزبان (فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب)؛ إذ يقدم البيت المنسوب إلى علي بن الجهم ما يمكن وصفه بالأرضية الفلسفية والجمالية التي ينطلق منها ابن المرزبان. فالكتاب لا يسعى إلى إهانة الإنسان لمجرد الذم، بل ينطلق -في عمقه-من المقارنة ذاتها بين القيم العملية الفطرية والقيم الرمزية المتكلفة. ينكشف هذا الربط في كون الكلب يمثل القيمة الأخلاقية العارية من الزيف، حيث يصبح الوفاء صفة جوهرية ثابتة لا تتأثر بتبدل الظروف الاجتماعية أو التأنق الشكلي، وهو ما جعل الشاعر يستدعيه كأعلى تمثيل لحفظ الود، تماما كالكلب الذي اتخذه ابن المرزبان مرآة لتعديل الميزان الأخلاقي الذي انحرف بفساد الطباع. وعلى المستوى الثقافي والسوسيولوجي، يلتقي موقف هذا الشاعر البدوي المزعوم في البلاط مع الموقف النقدي لابن المرزبان في تعرية زيف من لبس الثياب؛ فالثياب هنا ليست مجرد قماش، بل هي رمز للتمدن الصوري والتأنق البلاغي والسلوكي الذي يحجب تحته لؤما وخسة. وهنا تتصادم الثقافة البدوية (التي ترى الجمال في المنفعة والصدق والوفاء المباشر) مع الثقافة الحضرية (التي تفضل اللطف اللفظي ولو كان خاوياً من الجوهر) وهو ذاته التصادم الذي يعالجه ابن المرزبان عندما يفضل الكلب الفطري الصادق على إنسان حضري تدثر بالثياب وحاز العقل، لكنه تخلى عن الذمم والعهود. يبدأ ابن المرزبان كتابه مخاطبة من يوجه إليه الكتاب بأنه ذكر له زمانهما ذاك وفساد مودة أهله، وخسة أخلاقهم، ولؤم طباعهم. ويقرر أن الأمر كما وصف. وقد سأله أن أجمع له ما جاء في فضل الكلاب على شرار الإخوان، ومحمود خصاله في السر والإعلان، فقد جمعت فيه كفاية وبيان (ص، 3، 7). تشير هذه البداية إلى تغير أخلاقي عميق يمكن فهمه بوصفه انتقالا في مركز المقارنة بين القيم. فتشبيه الإنسان بالحيوان (كالكلب) مدحا يمكن أن تفرضه الثقافة البدوية التي ترى الفضيلة في السلوك العملي كالوفاء، الحراسة مثلا، وليس في المنزلة الاجتماعية. أمّا عند ابن المرزبان فلم يعد التشبيه لغويا، بل أصبح حكما أخلاقيا واعيا؛ فهو يَرفع الحيوان فوق الإنسان، لا ليمدح الحيوان، بل ليدين الإنسان. هذا التحوّل يدل ثقافيا على تآكل الثقة الاجتماعية. فقد تدهورت العلاقات الإنسانية حتى غدا الوفاء نادرا، فصار الكل، بثباته وصدق مودته، مقياسا أخلاقيا يُفضَح به شرار الإخوان. فالحيوان لم يعد مجرد رمز للقوة أو الحماية، بل أصبح مرآة تفضح الخيانة البشرية. أما جماليا، فنحن أمام انتقال من تشبيه عفوي إلى مفارقة ساخرة تستند إلى قلب القيم؛ ويستخدم الحيوان في هذا القلب بوصفه معيارا أخلاقيا أعلى. وهذا يعكس تطوّرا في الوعي الأدبي؛ من تصوير الصفات إلى نقد المجتمع، ومن المدح إلى الرثاء الأخلاقي. فهذا التحوّل الكلب من رمز الوفاء، إلى قيمة أخلاقية بديلة فقد فيها الإنسان أهليته للثقة والمودة. يعنون ابن المرزبان كتابه بفضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب. وكما نلاحظ فقد عدل في عنوان كتابه من قوله (فضل الكلاب على شرار الإخوان) إلى هذا العنوان ليتجاوز الدلالة الخاصة إلى أفق إنساني أوسع. فعبارة شرار الإخوان تحصر النقد في فئة محددة تجمعها رابطة المودة ثم تفسد، بينما تحمل عبارة كثير ممن لبس الثياب طابع التعميم الساخر، إذ تجعل الثياب كناية عن الإنسانية في الظاهر، في مقابل خوائها الأخلاقي في الباطن. وبهذا التحويل لا يكتفي ابن المرزبان بإدانة خيانة الصداقة، بل يرفع المقارنة إلى مستوى المفاضلة بين وفاء الحيوان وانكسار القيم الإنسانية لدى عدد كبير من البشر، في تصعيد بلاغي متعمد يُكسب العنوان قوة تهكمية أشد وأثرا نقديا أعمق. يتابع ابن المرزبان قائلا « ولست أشك في أنك-أعزك الله-عارف بخبر عبدالله بن هلال الكوفي المخدوم صاحب الخاتم وخبر جاره، وما سأله (جاره) من الكتاب إلى إبليس -لعنه الله- في حاجة له، وإن كان العقل يدفع ذلك الخبر فهو مثل حسن يُعرف مثلُه في سائر الناس (ص 13). وهنا يوجه ابن المرزبان خطابه إلى متلق هو المقصود بالتأليف. وكما في الكتب العربية القديمة فهو في الغالب شخص ذو منزلة علمية أو اجتماعية، وربما قارئ مفترض يُنزل منزلة الند. وهذه الصيغة تؤدي وظيفة بلاغية مزدوجة. فمن جهة تستميل المخاطب، ومن جهة أخرى تشركه في معرفة هي أصلا معرفة مشتركة، إذ يفترض المؤلف أن المخاطب مطلع على الخبر، فينتقل من مقام الإخبار إلى مقام التذكير والتمثيل. يتعلق الخبر بعبدالله بن هلال الكوفي كان يلقب بصديق إبليس. ادعى أنما صديقان، وأنهما يتكاتبان، وأنهما يتبادلان الأسر. ويلقبه الناس بمخدوم لأن إبليس يخدمه، وصاحب الخاتم لأن إبليس أعطاه خاتما يقضي به أي حاجة يريدها. لكن حين يستدعى ابن المرزبان هذه الشخصية يستدعيها لا بوصفها نموذجا لحقيقة تاريخية يُعول عليها لأن ألقابها كصديق إبليس والمخدوم وصاحب الخاتم ترسم صورة إنسان يدّعي القرب من الشر، ويجعل من إبليس خادما له، أي أن هناك قلبا لموازين القيم. فالدلالة هنا أخلاقية تشير إلى إنسان بلغ من الانحراف حد التفاخر بصحبته للشر، وليس إلى شخص يُراد إثبات وجوده الواقعي. ينبه ابن المرزبان أن الخبر الذي سيسرده منسوبا لهذا الكوفي لا يقبله العقل. وهو يفعل هذا ليحصن الخبر من الاعتراض العقلي من دون أن يُسقط قيمته، لأن المقصود ليس التصديق بل العبرة. فالخبر يسرد على أنه صورة مجازية تختزل سلوكا إنسانيا متكررا، يتمثل في الارتماء في حضن الشر، أو موالاة أهل الشر والفساد طلبا للمصلحة. وبهذا ينتقل خبر هذا الرجل الصديق لإبليس من مستوى الغرابة السردية إلى مستوى الدلالة الاجتماعية، حيث يغدو المستحيل عقلا ممكنا في المعنى، ومتحققا في طباع الناس وأفعالهم. يتضمن هذا الخبر بعداً دلاليا أعمق من مجرد غرابته. فقد طلب أجد جيران عبد الله بن هلال الكوفي أن يكتب له كتابا إلى إبليس لقضاء حاجة. وهو طلب يكشف عن انهيار معيار الوساطة الأخلاقية؛ فالحاجة لم تعد تُطلب عبر القيم المشروعة ولا عبر العلاقات الإنسانية السوية، بل عبر الشر ذاته. ودلالة الجار هنا لا تقل أهمية عن دلالة عبدالله بن هلال الكوفي، لأنه يمثل الإنسان النفعي الذي يدفعه العجز أو الطمع إلى تعليق أمله بمن يُجسد الشر، غير عابئ بتناقض ما يفعله مع الدين أو مع العقل. كما أن فعل الكتابة إلى إبليس يرمز إلى تطبيع العلاقة مع الفساد، وتحويله من قوة منبوذة إلى جهة يُرجى منها النفع، وهو ما يجعل الخبر حتى وإن استحال وقوعه عقلا صورة مكثفة لسلوك اجتماعي متكرر، حيث يلوذ بعض الناس بأهل الشر لقضاء المصالح، ويمنحونهم شرعيةً ضمنية حين يعجز الخير عن تلبية رغباتهم. ما حدث بعدئذ أن الكوفي « كتب له الكتاب، وأكد له غاية التأكيد، ومضى فأوصل الكتاب إلى إبليس، فقرأه، وقبله، ووضعه على عينيه، وقال: السمع والطاعة لأبي محمد، فما حاجتك؟ (ص 13). يُصعِّد هذا الجزء من الخبر الدلالة الرمزية ليصبح حكاية، لا تكتفي بجعل الاتصال بإبليس ممكنا، بل تُظهره مطيعا، مؤدبا، ومستجيبا. فوساطة عبدالله بن هلال الكوفي وتأكيده الشديد توحيان بثقة كاملة في فعالية هذه الوساطة، وكأن الشر أصبح نظاما إداريا منضبطا تُستوفى فيه الشروط لتُقضى الحاجات. علاوة على ذلك فتقبيل إبليس للكتاب ثم وضعه على عينيه هي بمعنى مراتب معينة للسلطة الأخلاقية، إذ يُعامل الشر بوصفه مرجعا أعلى يُطاع ويُحتفى برسائله. وقول إبليس السمع والطاعة لأبي محمد يحمل مفارقة لاذعة، لأنه يستعير لغة الطاعة المشروعة ليضعها في سياق فاسد، الأمر الذي يكشف عن اختلاط القيم وانهيار الحدود بين الحق والباطل. كما أن ردة فعل إبليس تظهر أن الشر ليس مجرد قوة متمردة، بل شريكا في قضاء المصالح، بينما يظهر الإنسان مستسلماً وواثقا به. وبهذا يتحقق معنى الحكاية، حين تدين واقعا إنسانيا يمكن الفساد، ويمنحه سلطة الاستجابة حين يعجز الخير أو يُقصى. بدأ الجار يسرد حاجته على إبليس قائلا « لي جار مكرم لي، شديد الميل إلي، يشفق علي وعلى أولادي، إن كانت لي حاجة قضاها، وإن احتجت إلى قرض أقرضني وأسعفني، وإن غبت خلفيني في أهلي وولدي يبرهم بكل ما يجد إليه السبيل (ص 13). يحمل هذا السرد الجار مفارقة دلالية، إذ يبدأ سرد بتعداد خصال جاره الإنسانية والمثالية كالإكرام والشفقة وقضاء الحاجات والإقراض، ورعاية الأهل والولد في حالة غيابه. وهذه الصفات تُقدّم بوصفها الأعلى إنسانية فما يُرجى من الجوار والمودة الإنسانية، غير أن توجيه هذا الوصف إلى إبليس يكشف انقلابا قيميا عميقا. فهذا الإنسان لا يرى بأسا في أن تُعرض أسمى الأخلاق على الرمز المطلق للشر. وهو بهذا يمنح إبليس سلطة الحكم على القيم الإنسانية، وكأنه المرجع القادر على التدخل فيها أو نقضها. وبذلك تتحول الفضائل نفسها إلى مدخل للسخرية، وفضح للإنسان الذي يعرف الخير، ويقر بفضله، ثم لا يتردد في التعامل مع الشر، وجعله سلطة حاكمة على قيم الخير. كان إبليس يسمع ويوافق على ما يسرده الجار: هذا حسن، وهذا جميل (ص 14). يعمِّق رد فعل إبليس مفارقة الحكاية الأخلاقية. فإبليس لا يكتفي بالاستماع، بل يُقر الفضائل ويثني عليها. ودلالة هذا الإقرار أن معيار الحسن والقبح لم يعد حكرا على الخير، بل صار الشر قادرا على تعرف القيم الإنسانية وتمييزها. والخطر في رد فعل إبليس لا يكمن في جهل الشر بالخير، بل في معرفته به واستعمال لغته نفسها، الأمر الذي يجعل انكسار القيم أشد وقعا حين يأتي الاعتراف بها من الجهة التي يُفترض أن تناقضها. لما فرغ الجار من سرده سأله إبليس: فما تحب أن أفعل به؟ قال: أريد أن تزيل نعمته، وتفقره؛ فقد غاظني أمره، وكثرة ماله، وبقاؤه، وطول سلامته. فصرخ إبليس صرخة لم يُسمع بها قط. فاجتمع عفاريته وجنده وقالوا به: ما الخبر يا سيدهم ومولاهم؟ (سيدنا ومولانا) فقال لهم: هل تعلمون أن الله عز وجل خلق خلقا هو شر مني؟ قالوا: لا. قال: فانظروا إلى هذا القائم بين يدي فهو أشر مني» (ص 14). يبدو لي أن تدخل ابن المرزبان أو الراوي هنا واضحا ومقصودا. فالتحويل أعلى النممن (سيدنا ومولانا) لمخاطبة إبليس إلى (سيدهم ومولاهم) يؤدي وظيفة مزدوجة، سردية وقيمية. فمن جهة يميز هذا التحويل بين صوت الشخصيات داخل الحكاية وبين صوت الراوي، فينصب إبليس سيدا للعفاريت وحدهم، ويتحرز من أن يجري على لسانه أو في سرده ما يوحي بتعظيم إبليس أو الإقرار له بمنزلة كلامية غير مقصودة. ومن جهة أخرى، يرسّخ هذا التدخل دلالة أن سيادة إبليس سيادة موضعية نسبية محصورة في عالم الشر، وليس سيادة مطلقة، تمهيدا لانكسارها أمام نموذج إنساني يتجاوزها في ممارسة الشر ذاته. وبهذا يظل المؤلف أو الراوي حاضرا بسلطته المتحكمة في مسار اللغة والدلالة، فلا يسمح للسرد أن ينفلت رمزيا، ولا للمفارقة أن تتحول إلى إقرار، بل يجعل من التحويل اللفظي أداة نقدية تجمع بين التحفظ العقدي والتصعيد البلاغي. كما أن تبجيل إبليس لله واصفا إياه بعز وجل ليس تزكية، بقدر ما هو توكيد لمعرفة إبليس الحق ثم مخالفته. فإبليس في التصور الإسلامي لا يُنكر وجود الله ولا عظمته، وإنما يعصي مع علمه بذلك. وهذا الموقف يدفع الحكاية إلى أن تبرز دلاليا أن الشرّ هنا ليس ناتجا عن الجهل، بل عن انحراف الإرادة. علاوة على ذلك يعمق هذا التبجيل المفارقة؛ فحتى إبليس الغارق مع عصيانه، لا يتعدى حدود الاعتراف بالمرتبة الإلهية، بينما الإنسان في الحكاية يتجاوز ذلك إلى طلب إفساد الخير بدافع الحسد المحض. لقد كان هذا الجار أشرّ من إبليس لأنه لم يطلب الشر لدفع الظلم، ولا لرد الأذى، بل طلبه ولجأ إليه لتدمير الخير. فقد أقر من حيث المبدأ بإحسان جاره، وكرمه، ورعايته، ومع ذلك لم تمنعه هذه المعرفة من أن يسعى إلى زوال نعمته جاره حسدا وضيقا بصلاح حاله. أما إبليس في منطق الحكاية المسرودة فيفسد حيث توجد قابلية للفساد، أما هذا الجار فيسعى إلى خلق الشر من عدم الشر، ويستهدف الخير لأنه خير. ومن هنا تأتي صرخة إبليس، لأنها لحظة إدراك أن الإنسان قادر على بلوغ درجة من الشر لا تقوم على التمرد فقط، بل على كراهية الفضيلة ذاتها، وهي منزلة يتبرأ منها حتى رمز الشر المطلق. يفضي بنا تحليل هذه الحكاية إلى أن الكلب، في الخطاب الأدبي العربي بشكل عام وفي عنوان هذا الكتاب بشكل خاص لم يكن عنصرا زخرفيا ولا تشبيهيا عابرا، بل أداة كاشفة لتحولات عميقة في الذائقة الجمالية والقيم الأخلاقية. فمن مدحٍ عفوي يستند إلى منظومة بدوية تقيس الفضائل بالمنفعة والسلوك، كما عند علي بن الجهم، إلى مفاضلة أخلاقية واعية تقلب مراتب القيم وتدين الإنسان ذاته، كما عند ابن المرزبان، يتبدّى انتقال الأدب من تصوير الصفات إلى نقد الواقع الاجتماعي. وهكذا يغدو الكلب مرآةً للإنسان، وليس تمجيدا لغرائزه، ووسيلة محسوسة لفضح انكسار القيم وتآكلها؛ القيم التي من المفترض أن تميّز الإنسان، فيتحول التشبيه من وسيلة مدح إلى خطاب محاسبة أخلاقية يكشف أزمة الثقة والمودة في المجتمع.