المساجد في الصين (3)..

حكاية ألف عام من الحضور الإسلامي العريق.

ذهبت إلى الصين وفي ذهني ما يردده الإعلام الغربي، وبخاصة الأمريكي، من أن الصين تضطهد المسلمين ولا تسمح لهم بممارسة واجباتهم الدينية، ويذكر أن مجموعة منهم في شمال الصين يدعون (الإيغور) وقد ضيّق عليهم في مدنهم وقراهم، وهي ضمن الحملات التي استعرت عند بدء جائحة كورونا في نهاية الفترة الأولى من حكم الرئيس دونالد ترامب. وعند اطلاعي على كتاب السفير الدكتور محمد البشر (حضارة الصين)، وجدته قد خصص الفصل الأول منه للحديث عن انتشار الإسلام في الصين ومساجدها، التي لا تقتصر على أداء الصلاة فحسب، بل يعقد فيها الزواج، ومراسم الجنائز، ومصالحة الخصوم، وتلقى فيها المحاضرات، والتعليم، والأنشطة الاجتماعية الأخرى. وذكر من المساجد المهمة: أ- مسجد هوا يشنغ في مدينة قوانغتشو، وكلمة (هوا يشنغ) تعني «الحنين إلى النبي»، كما يسمى أيضاً مسجد (قوانقتا) أي «المنارة»، وبعض الروايات الصينية تذكر أنه قد تم بناؤه على يد الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص دون أن أجد لديهم مستنداً مادياً للرواية. وقال سعادة السفير إنه رأى جداراً من الرخام كتب عليه بخط عربي واضح: «هذا هو أول مسجد في الصين بناه سيدنا وقاص رضي الله عنه... التوقيع: الوصي سليمان عبد الكريم»، وقد تمت كتابة هذا النص عام 1350 ميلادية، أي قبل نحو 650 عاماً. ب- مسجد تشينغجينغ في مدينة تشوانتشو (تشيو إنتشو): بني بعد أربعمئة سنة من الهجرة الشريفة، أي قبل أكثر من ألف عام، وتعني كلمة (تشينغجينغ) «الصفاء والنظافة»، وقد ذكره ابن بطوطة في كتابه (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار). ج- مسجد نيوجيه في بكين: بني عام 996م، أي قبل أكثر من ألف عام. د- مسجد رينغتشو: يقع في مقاطعة (خبي)، وهي المقاطعة التي يكثر فيها المسلمون. هـ- جامع تونغشين: يقع في المنطقة الجبلية الجنوبية، ويمثل المسلمون فيها 80%. بعد وصولنا إلى الصين واستقرارنا في مدينة (جوانزو)، سألت فعلمت أن في المدينة أربعة جوامع ضخمة في جهاتها الأربع؛ فرافقت الأخ أحمد السماعيل للصلاة في جامع سعيد وقاص، ومعنا الدليل علي السلفي ابن يافع من جنوب اليمن. وصلنا بعد نحو نصف ساعة، ووجدنا عند المدخل رجال الأمن يسهلون مرور المصلين مع تفتيش بسيط. وكان هناك توافد وازدحام من القادمين من جميع الجنسيات العربية وغير العربية، وغالبيتهم من الأفارقة والهنود والأتراك، وكان أغلبهم يرتدي ملابس بلده التقليدية. ومنذ دخولنا الحديقة الكبيرة التي يقع في وسطها الجامع، وجدنا مفارش تحت الأشجار الضخمة قد اتخذها المئات مكاناً للصلاة؛ إذ لم يجدوا مكاناً لهم داخل الجامع رغم أنه يتكون من طابقين بمساحة تقارب 100×300 متر. وكان للجامع مداخل عدة ينظم رجال الأمن حركة الدخول عبرها، كما رأيت مجموعات من النساء تتجه إلى مسجد مستقل لأداء الصلاة. وصلنا في الساعة الثانية عشرة ظهراً، والخطيب يلقي كلمته باللغة الصينية، وفي تمام الساعة الواحدة توقف المتكلم ورفع الأذان، ثم ألقى الخطيب خطبته باللغة العربية كالمعتاد لدينا، ثم أقيمت الصلاة مع تلاوة سورتي (التين) و(الشرح). سألت الإخوة العرب عن اسم الجامع؛ فقال بعضهم إنه يسمى جامع سعد بن أبي وقاص وإن قبره في المدينة، وقال بعضهم إنه سعيد وقاص، فاختلط عليهم الأمر. وقد اتصلت بالصديق المؤرخ الدكتور عبد اللطيف الحميد الذي أفادني بأنه زار المدينة قبل سنوات، وقال إن اسمه سعيد وقاص، وأنه جاء إلى مكة المكرمة قبل ثمانين عاماً مهاجراً، وهو من تركستان التي انقسمت إلى قسمين: الغربية والشرقية التي ابتلعتها الصين، وأنهم في مكة يقدمون الأكلات البخارية. وأيد ذلك الدكتور عبد العزيز بن سلمة وكيل وزارة الثقافة والإعلام سابقاً، مبيناً أنه صلى في المسجد نفسه قبل سنوات. ذهبنا إلى المسجد بسيارة أجرة، وعدنا برفقة أحد أبناء اليمن المقيمين في جوانزو بسيارته الفارهة المستوردة من ألمانيا. وفي يوم الجمعة التالي 18 / 9 / 2026، ذهبت برفقة زميل الرحلة رجل الأعمال الأستاذ محمد السماعيل إلى القنصلية السعودية للسلام على القنصل وأداء صلاة الجمعة داخل القنصلية. وقد كنا قد عرفنا من الأخ مشعل العتيبي، صاحب مكتب الخط السريع للشحن والتخليص بالصين والمملكة، ومن شقيقه عمر الذي يساعده في المكتب ويدرس في إحدى جامعات كوانزو، أن القنصلية تقع في فندق فورسيزونز التابع للأمير الوليد بن طلال في حي راقٍ بالمدينة. نزلنا عند باب الفندق فعرفنا أن القنصلية في مبنى آخر لا يبعد كثيراً عن الفندق؛ فذهبنا إليه مشياً على الأقدام، ووجدناهم يستعدون لصلاة الجمعة في مكان مخصص يتسع لنحو أربعين شخصاً. وجدنا بعض الموظفين وعدداً قليلاً من الطلبة السعوديين الذين يدرسون في الجامعات القريبة، والإمام يجلس على طاولة بجوار المحراب –وهي بمثابة المنبر– وكان يقرأ ما تيسر من القرآن. وفي الواحدة نودي لصلاة الظهر، فحضر القنصل ومساعده وبقية الموظفين، وبدأ الإمام بالخطبة المعتادة –وأعتقد أنه أحد الموظفين من أبناء الصين– ثم أقيمت صلاة الجمعة وقرأ سورتي (التين) وفي الركعة الثانية (الشرح)، –وهذه التفاصيل لتأكيد أنه لا فرق بين صلاتنا وصلاتهم في المسجدين للذين لم يسبق لهم السفر إلى هناك، ودفعاً للتهم التي تدعي أن الصين تحارب الأديان–. وبعد الصلاة ذهبنا إلى صالة الاستقبال لأخذ هواتفنا التي طلبوا إبقاءها لديهم، فدعينا لمقابلة القنصل العام للمملكة بالصين في مقاطعة جوانزو الأستاذ علي بن إبراهيم الحجي ومساعده الأستاذ بدر الروقي، الذي استقبلنا وحده في مكتبه ورحب بنا، وسنعود للحديث عن المقابلة فيما بعد. ولعلي في ختام هذه الحلقة أن أعطي لمحة مختصرة عن الصين كما ورد في الموسوعة العربية العالمية، إذ تقول: «يعود تاريخ الحضارة الصينية إلى أكثر من 3500 سنة، وهي من أعرق الحضارات في العالم؛ فهم أول من طور البوصلة، وورق الكتابة، والخزف الصيني، والملابس الحريرية...». «الديانات الرئيسية: الديانة الكونفوشية، والطاوية، والبوذية التي لها أهمية خاصة في التاريخ الصيني، كما يوجد في الصين نسبة 10% مسلمين ونسبة 1% نصارى...». وعرفت جوانزو التي أقمنا بها بأنها: «غوانغتشو (كانتون): ميناء بحري، ومركز تجاري لمنطقة جنوب شرق الصين، بها حديقة ثقافية دائمة، تقدم فيها عروض متغيرة، مع وجود قاعات للموسيقى ومسارح وملاعب للألعاب الداخلية وساحات رياضية...». وعن التقسيمات السياسية ورد: «يوجد في الصين حوالي 30 تقسيماً سياسياً موزعاً على عدد من المناطق بعضها ذاتي الحكم. وعلى الرغم من أن بعض المناطق ذاتية الحكم إلا أنها تدار تماماً بالطريقة نفسها التي تدار بها بقية المناطق. تتكون كل منطقة من مركز مدني ومنطقة ريفية واسعة... وتتوزع الأقسام السياسية الثلاثون على حوالي 2100 مقاطعة، وتقسم هذه المقاطعات إلى مائة ألف مدينة صغيرة وكبيرة، وتضم كل وحدة سياسية مجلس شيوخ وجهازاً تنفيذياً... وتولي الحكومة مشكلة الانفجار السكاني عناية خاصة؛ إذ عمدت إلى وضع حد أدنى لسن الزواج قدرته بـ 22 عاماً للرجال وعشرين عاماً للنساء، هذا بالإضافة إلى الإغراءات الممنوحة لقصر الإنجاب على طفل أو طفلين على الأكثر...». التعليم: «حظي التعليم على مر العصور بعناية خاصة لدى الصينيين، فلقي المتعلمون تقديراً كبيراً في المجتمع الصيني... ففي منتصف القرن العشرين نشطت الحكومة في نشر التعليم؛ فقد ألزمت الحكومة أفراد المجتمع بإتمام الصفوف الدراسية الست الأولى على الأقل، وتطبق هذه السياسة التعليمية الإلزامية على أهل المدن أولاً، ومن ثم تنقل إلى الريف...». تنويه: ورد في الحلقة الماضية خطأ غير مقصود بالإشارة إلى أن سعر صرف المائة دولار أمريكي يعادل 158 يواناً صينياً، والصحيح أن العملة المقصودة هي الريال السعودي، لذا اقتضى التنويه.