مبادرة إبداعية سعودية تعزز حضورها باتفاقية مع بيت الثقافة..

خالد المهنا أبا الخيل: “موازير الكلام” تعيد تقديم الشعر العربي عبر الموسيقى.

يتولى خالد بن عبدالله المهنا أبا الخيل منصب المؤسس والرئيس التنفيذي لمبادرة «موازير الكلام»، التي تسعى إلى إعادة تقديم الشعر العربي في تجربة ثقافية تفاعلية تجمع بين التحليل النقدي والشرح الموسيقي والأداء الحي، انطلاقًا من القصيدة المغناة بوصفها مدخلًا إلى تذوق اللغة واكتشاف جماليات النص الشعري. وتعمل المبادرة على تعزيز صلة المتلقي بالشعر العربي، من خلال الكشف عن العلاقة بين الكلمة واللحن والأداء، وما تتيحه هذه العناصر من إمكانات لفهم النص وتذوق أبعاده الفنية والإنسانية. وفي إطار توسيع حضورها الثقافي، وقّعت «موازير الكلام» مذكرة تفاهم مع بيت الثقافة لتعزيز التعاون في المبادرات والمشاريع الثقافية والمحتوى الثقافي والتكامل الإعلامي. في هذا الحوار، يتحدث المهنا أبا الخيل عن رؤية المبادرة، ومنهجها في تقديم الشعر، والعلاقة بين الإيقاع الموسيقي والمعنى، وآفاق توظيف القصيدة المغناة في تجديد صلة الأجيال باللغة العربية والتراث الشعري. ترسيخ النقد الهادف * ما الدور الذي تطمح «موازير الكلام» إلى أدائه في إعادة تشكيل علاقة المتلقي بالشعر العربي؟ -لا شك أن «موازير الكلام» تطمح إلى إعادة النظر في علاقة المتلقي بالشعر العربي، من خلال ترسيخ مفهوم النقد الهادف، الذي يعنى بالكشف عن جماليات النص وإيجابياته، والوقوف على جوانب القصور فيه. فمتى ما امتلك المتلقي القدرة والرغبة في قراءة النص قراءة نقدية واعية، أصبح أكثر قدرة على تذوق جمالياته واستيعاب أبعاده. وهذا ما نسعى إليه في «موازير الكلام»؛ الإسهام في الارتقاء بالوعي باللغة العربية، وتعزيز حضورها من خلال قراءة الشعر وتذوقه ونقده. *كيف تترجم «موازير الكلام» هذه الرؤية إلى منهج عملي في اختيار النصوص والأصوات وتقديم التجربة الشعرية؟ -يعتمد اختيار النص الشعري على عدة عوامل، من أبرزها الجرس الموسيقي، الذي يؤدي دورًا مهمًا في عملية التلحين، إلى جانب طبيعة الصوت ومدى توافقه مع النص ومعانيه. فالصوت الذي يؤدي نشيدًا وطنيًا على سبيل المثال، يختلف في تعبيره وأدائه عن الصوت نفسه حين يؤدي أغنية عاطفية أو حزينة؛ إذ تفرض طبيعة النص ومعانيه أسلوبًا خاصًا في الأداء. ومن هذا المنطلق، نطمح في «موازير الكلام» إلى العمل على منهج لإلقاء الشعر، يقوم على فهم معاني النص ودلالاته، وتوظيف نبرة الصوت وطبقته وتنغيمه بما ينسجم مع مضمونه. فالنص الحزين يختلف في أدائه عن النص المعبر عن الفرح، ولكل معنى ما يناسبه من أداء صوتي. ويمكن أن نستحضر هنا أداء القراء المتمكنين في تلاوة القرآن الكريم، وكيف تتنوع طبقات أصواتهم بين القرار والجواب، وتتغير نبراتهم بما يتناسب مع المعاني التي يتلونها. فحين يتناول النص معاني العذاب والألم، تتشكل نبرة الأداء بما يعكس الرهبة والخوف، بينما تتجه في الآيات التي تصف النعيم والبشرى إلى نبرة تتناسب مع معانيها ودلالاتها. لذلك، فإن الإلقاء عنصر جوهري في إيصال النص الشعري إلى المتلقي؛ إذ تتكامل نبرة الصوت وطبقته وتنغيمه مع المعنى، لتمنح الكلمات قدرتها على التأثير، وتتيح للمتلقي تذوق النص والتفاعل معه على نحو أعمق. *لماذا يمتلك الشعر قدرة على تجاوز حدود اللغة والثقافة، والوصول إلى الإنسان بمختلف خلفياته؟ -يعد الشعر من أكثر الفنون التصاقًا باللغة وثراء في توظيفها واشتقاقاتها؛ فاللغة نشأت لتعبر عما يختلج في نفس الإنسان من معتقدات ومشاعر وحالات عاطفية، سواء أكانت إيجابية أم سلبية. ومن هنا، تكتسب اللغة قدرتها على الوصول إلى الإنسان بمختلف خلفياته؛ لأنها تنبع من تجربته الإنسانية، وتعبر عما يعيشه من مشاعر وأحاسيس تتجاوز حدود الاختلاف اللغوي والثقافي. خصوصية الشعر العربي *في ظل هذا الامتداد الإنساني للشعر، ما الذي يمنح الشعر العربي خصوصيته من حيث اللغة والإيقاع والصورة الشعرية؟ -تنبع خصوصية الشعر العربي من إيقاعه الموسيقي، وما ينشأ فيه من تناغم بين الألفاظ والحروف الذي يمنح القصيدة جرسًا مميزًا وأثرًا في نفس المتلقي. ونلمس ذلك في قول امرئ القيس: «مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا كجلمود صخر حطّه السيل من علِ» وكذلك في قول جرير: «إن العيون التي في طرفها حورٌ قتلننا ثم لم يحيين قتلانا» حيث يظهر التناغم الصوتي الذي يمنح الأبيات إيقاعها وجمالها. ويمنح ثراء اللغة العربية وغزارة مفرداتها الشاعر قدرة واسعة على بناء الصور الشعرية وإطلاق الخيال؛ فيستطيع أن يصور مشهدًا لم يره، أو يعبر عن تجربة لم يعشها، مستعينا بقدرته على التخيل والتصوير، ومن الشواهد على ذلك الشاعر بشار بن برد، الذي كان أعمى، ومع ذلك أبدع في وصف الحرب، فقال: «كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه» فقد رسم بخياله مشهدًا بصريًا نابضًا بالحركة، وهو ما يكشف عن قدرة اللغة العربية على تحويل المعاني إلى صور تستحضرها المخيلة، وتفتح أمام المتلقي آفاقًا تتجاوز حدود الرؤية المباشرة إلى فضاء رحب من التصوير والخيال. * إلى أي مدى يمكن للأدب والشعر أن يكشفا ملامح ثقافة الشعوب وهويتها وطريقتها في التعبير عن الحياة؟ -يتيح لنا الشعر الاطلاع على ملامح الحياة في العصر الجاهلي على سبيل المثال، من خلال ما يصوره من طرائق العيش، واللباس، والتنقل، والطعام، والعادات والتقاليد التي كانت سائدة آنذاك. فالشعر يحمل في مضامينه ملامح ثقافة الشعوب، وينقلها عبر العصور إلى الأجيال اللاحقة، ليظل شاهدًا على حياتها وهويتها وطريقتها في التعبير عن الحياة. مساحة للإلهام *عندما تتحول القصيدة إلى تجربة مغناة، كيف يمكن مساعدة المتلقي على تذوق الكلمة واللحن والأداء بوصفها عناصر متكاملة؟ -تعتمد الأغنية الشرقية على ثلاثة محاور رئيسية: الكلمة، واللحن، والأداء. فإذا كانت القصيدة جميلة وتتمتع بجرس موسيقي عال، فإنها تمنح الملحن مساحة للإلهام، وتوحي له بالألحان التي تنسجم مع إيقاعها ومعانيها. ومن هذا المنطلق، يستطيع المتلقي أن يبدأ بقراءة القصيدة قبل الاستماع إلى الأغنية، ليتعرف على معانيها وجمالياتها، ثم يستمع إليها ملحنة، فيعيش التجربة من خلال الكلمة واللحن معًا، وعندها يصبح قادرًا على التأمل في اختيارات الملحن وفهم أسباب توظيف مقام موسيقي معين أو جملة موسيقية بعينها للتعبير عن كلمة أو معنى محدد. وتبرز أهمية هذه المحاور الثلاثة في قدرتها على تشكيل تجربة متكاملة؛ فالأداء الصوتي، واللحن، والكلمة تتفاعل فيما بينها لتمنح النص أبعاده التعبيرية والجمالية. ويمكن أن نستشهد بأغنية «الأطلال» لأم كلثوم، من ألحان رياض السنباطي، إذ تنقل السنباطي بين عدد من المقامات الموسيقية، وأحسن اختيارها بما يتناسب مع معاني الكلمات وحالاتها الشعورية، ففي مقطع «هل رأى الحب سكارى مثلنا؟» نلحظ توظيفًا موسيقيًا يتناسب مع طبيعة العبارة، ثم يتغير المسار اللحني في مواضع أخرى، كما في «وانتبهنا بعدما زال الرحيق»، حيث يعود إلى القرار. ومن هنا، تأتي أهمية فهم العلاقة بين المقام الموسيقي والمعنى؛ فلكل مقام طابعه الشعوري، وقدرته على التعبير عن حالات مختلفة، من الشجن والحزن إلى الفرح والجمال. وكلما أدرك المتلقي هذه العلاقة أصبح أكثر قدرة على تذوق الأغنية، وفهم كيفية تكامل الكلمة واللحن والأداء في تشكيل أثرها الفني. العودة لجماليات اللغة * أما على مستوى المستقبل، فما الآفاق التي تسعى «موازير الكلام» إلى استكشافها، وما الأثر الذي تطمح إلى تركه في المشهد الثقافي والشعري العربي؟ -تتمثل التطلعات الأساسية لـ«موازير الكلام» في العودة إلى جماليات اللغة العربية، وإعادة المتلقي إلى تذوقها، ولا سيما من خلال الشعر. فللشعر مكانة مهمة في تراثنا العربي، فقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يستشهدون به في تفسير القرآن الكريم وفهم معانيه. ومن هذا المنطلق، نؤمن بأهمية الاعتزاز باللغة العربية، بما تمتلكه من قوة وثراء في المفردات، واتساع في الخيال، وقدرة على التصوير والتعبير عن أدق المشاعر الإنسانية. فمع تسارع الزمن وتطور التكنولوجيا الحديثة، وما يصاحبهما من ابتعاد عن التعمق في اللغة وتذوق جمالياتها، نسعى في «موازير الكلام» إلى إعادة الاهتمام بهذه الجماليات من خلال قراءة القصائد الجميلة المغناة وتحليلها، والكشف عما تحمله من صور شعرية ومعانٍ وأبعاد فنية. ويمكن أن نستحضر في هذا السياق قول الشاعر: «نالت على يدها ما لم تنله يدي نقشا على معصم أوهت به جلدي» وقوله: «كأنه طرق نمل في أناملها أو روضة رصعتها السحب بالبرد» وما في هذه الأبيات من دقة الوصف، وثراء الصورة الخيالية، وجمال التعبير، إلى جانب قوله: «قد خلفتني طريحا وهي قائلة تأملوا كيف فعل الضبي بالأسد» ففي هذه الأبيات وغيرها نجد قدرة الشاعر العربي على رسم المشاهد، وتصوير المواقف، والتعبير عن العواطف وما يختلج في نفس الإنسان بلغة تمنح المعنى أبعادًا تتجاوز التعبير المباشر إلى فضاء واسع من الخيال والإبداع. ولهذا نطمح من خلال «موازير الكلام»، إلى أن يكون لنا أثر في المتلقي، وأن نسهم في تعريفه بهذه الجماليات، وتعزيز صلته باللغة العربية والشعر، وإبراز ما يزخر به تراثنا الشعري من ثراء فني وإنساني