قدّمت المخرجة الأردنية زين دريعي في فيلمها الروائي الطويل الأول «غرق» (Sink) عملاً ينتمي إلى السينما النفسية أكثر مما ينتمي إلى الدراما العائلية التقليدية. فالفيلم لا يسعى إلى تقديم حكاية عن مراهق يعاني اضطراباً نفسياً بقدر ما يحاول تفكيك البنية النفسية لعائلة كاملة تنهار بصمت، حيث يصبح الإنكار آلية دفاع جماعية، ويتحول الحب، حين يفقد قدرته على رؤية الحقيقة، إلى أحد أسباب المأساة. منذ أفلامها القصيرة، أثبتت زين دريعي أنها تنتمي إلى جيل من السينمائيات العربيات اللواتي يفضلن الغوص في التشققات النفسية للشخصيات أكثر من الانشغال بالحبكات الخارجية. فقد لفتت الأنظار بفيلمها القصير «Horizon» الذي حصد جوائز دولية، ثم بفيلم «التخلي عن الشبح» الذي نافس في مهرجان البندقية ونال جائزة أفضل فيلم عربي قصير في مهرجان الجونة، قبل أن تختارها «مواهب برلين» عام 2024، وأن تضعها مجلة Screen Daily ضمن قائمة «نجوم الغد العرب». ويأتي «غرق» بوصفه تتويجاً طبيعياً لهذا المسار، وانتقالاً ناجحاً إلى الفيلم الروائي الطويل. تبدأ الحكاية من حادثة تبدو اعتيادية؛ فصل باسل، الطالب المتفوق والمنعزل، من المدرسة بعد انفجار سلوكي عنيف. لكن هذه الواقعة لا تمثل سوى الشرارة الأولى التي تكشف عن تصدعات كانت كامنة داخل الأسرة. فالأم ناديا، التي تؤديها كلارا خوري بأداء بالغ الحساسية، ترفض الاعتراف بأن ابنها يعاني اضطراباً نفسياً يحتاج إلى تدخل متخصص، وتتمسك بإيمانها بأن الحب والرعاية وحدهما قادران على إنقاذه. غير أن الفيلم لا يجعل المرض النفسي موضوعه المركزي، بل يجعل «الإنكار» بطله الحقيقي. فالمشكلة ليست في اضطراب باسل بقدر ما تكمن في العجز عن الاعتراف به. وهنا ينجح السيناريو في تحويل القضية من ملف طبي إلى سؤال إنساني وأخلاقي: ماذا يحدث حين يتحول الحب غير المشروط إلى حجاب يمنع رؤية الحقيقة؟ لا تقدم زين دريعي شخصية ناديا باعتبارها أماً مثالية أو مقصرة، وإنما امرأة تعيش تحت ضغط صورة الأم التي يفترض أن تكون قادرة دائماً على حماية أبنائها. لذلك يصبح اعترافها بمرض ابنها اعترافاً ضمنياً بعجزها، وهو ما يجعل الإنكار وسيلتها الوحيدة للاستمرار. إنها تغرق تدريجياً في وهم السيطرة، بينما يواصل الواقع ابتلاعها. ويبلغ الفيلم ذروته في المشهد الذي تمضي فيه الأم وابنها ليلة استثنائية خارج المنزل، بعيداً عن الأب والأشقاء. يرقصان، ويلعبان، ويتقاذفان الوحل في مدينة ألعاب مهجورة، وكأنهما يحاولان استعادة طفولة ضائعة. هذا الفصل الطويل لا يؤدي وظيفة سردية فحسب، بل يكشف طبيعة العلاقة المركبة بينهما، حيث تمتزج الحماية بالتعلق، والحنان بالخوف، والاحتواء بالرغبة اللاواعية في تجميد الزمن. إنها علاقة يقرأها الفيلم بحساسية نفسية تقترب أحياناً من التحليل الفرويدي دون أن تقع في المباشرة أو التفسير القاطع. وعندما ينقض باسل على عنق أمه محاولاً خنقها، لا يبدو المشهد انفجاراً درامياً مفاجئاً، بل نتيجة حتمية لمسار طويل من التوترات المكبوتة. هنا يدرك المتفرج أن الفيلم كان يقودنا منذ البداية نحو هذه اللحظة، وأن كل مشاهد الصمت السابقة كانت تنذر بهذه النهاية المؤلمة. واحدة من أهم نقاط قوة الفيلم تتمثل في أدائه التمثيلي. تقدم كلارا خوري واحداً من أكثر أدوارها نضجاً، إذ تعتمد على الاقتصاد في التعبير، فتجعل الصمت، والنظرات المرتبكة، والانكسار التدريجي أدواتها الأساسية في بناء الشخصية. أما محمد نزار، في أول بطولة سينمائية له، فيرسم شخصية باسل بعيداً عن الصور النمطية المعتادة للمريض النفسي، فلا يقدمه كوحش أو ضحية، وإنما كشاب يعيش صراعاً داخلياً لا يستطيع تفسيره أو السيطرة عليه. كما يشكل حضور وسام طبيلة مفاجأة إيجابية، إذ يبتعد عن أدواره الكوميدية المعتادة ليجسد أباً يحاول التواصل مع ابنه لكنه يصطدم بجدار من الصمت والعجز، فيصبح حضوره تعبيراً عن أزمة الأبوة في مواجهة ما لا تستطيع السلطة الأبوية تفسيره. بصرياً، يستفيد الفيلم من خبرة مدير التصوير التونسي فاروق العريّض، الذي يمنح الصورة طابعاً خانقاً ينسجم مع الحالة النفسية للشخصيات. فالكاميرا لا تبحث عن الجمال بقدر ما تبحث عن الاختناق؛ اللقطات القريبة، والفراغات المنزلية، والإضاءة الطبيعية الخافتة، كلها عناصر تجعل البيت يبدو أقل شبهاً بمكان للطمأنينة وأكثر شبهاً بمتاهة نفسية مغلقة. ولا تعتمد دريعي على الموسيقى لفرض الانفعال، بل تمنح الصمت مساحة واسعة. وهذا الصمت ليس غياباً للصوت، بل حضوراً كثيفاً لما لا تستطيع الشخصيات قوله. إنه الصمت ذاته الذي تتحدث عنه المخرجة حين تؤكد أن الفيلم يتناول «الغرق في الصمت الذي ينهك الكثير من الأمهات». لذلك تصبح لحظات السكون أكثر قسوة من لحظات الانفجار. ورغم تماسك العمل، لا يخلو الفيلم من بعض الملاحظات. فمنتصفه يعاني شيئاً من الإطالة، إذ تتكرر بعض المشاهد التي تؤكد الفكرة نفسها، مما يخفف من إيقاع السرد. كما أن التركيز المكثف على منظور الأم يجعل الشخصيات الأخرى، ولا سيما الأب والأشقاء، أقل عمقاً مما تستحقه، فيبدو وجودها أحياناً وظيفياً أكثر منه درامياً. مع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة العامة للفيلم، لأن قوته الحقيقية لا تكمن في تعقيد الحبكة، بل في صدقه العاطفي، وفي جرأته على الاقتراب من ملف لا تزال السينما العربية نادراً ما تعالجه بهذا القدر من الحساسية، وهو أثر الأمراض النفسية غير المشخصة داخل الأسرة، والوصمة الاجتماعية التي تجعل الاعتراف بها أكثر صعوبة من المرض نفسه. لقد اختارت زين دريعي أن تبتعد عن الخطاب التوعوي المباشر، فلم تصنع فيلماً عن العلاج النفسي أو عن المؤسسات الطبية، وإنما صنعت فيلماً عن البشر حين يعجزون عن مواجهة الحقيقة، وعن الحب حين يتحول إلى قيد يمنع صاحبه من رؤية من يحب كما هو، لا كما يتمنى أن يكون. في النهاية، لا يشير عنوان «غرق» إلى غرق شخص واحد، بل إلى غرق عائلة بأكملها في بحر من الصمت والإنكار. إنه فيلم عن الأمومة بوصفها اختباراً قاسياً، وعن هشاشة الروابط الأسرية حين تواجه اضطراباً نفسياً لا تجد له اسماً، وعن مجتمع ما يزال يفضل إخفاء الجرح بدلاً من مداواته. وبهذا العمل تؤكد زين دريعي أن السينما الأردنية تواصل ترسيخ حضورها عربياً ودولياً، عبر أفلام تجرؤ على مساءلة المسكوت عنه، وتبحث عن الدراما في أعماق النفس الإنسانية، لا في صخب الأحداث وحده.