في المفارقة.. تكمن عقدة الشعرية

وأنا أعيد قراءة الأعمال الخمسة (للقائمة القصيرة) لأبدي وجهة نظري فيها، وقعت في حيرة لذيذة، فكل عمل منها يستحق الجائزة. إذ كانت أعمالاً ثقيلة شعرياً، تعكس تجارب وصلت إلى حد مبهج، يحق لنا أن نفاخر به من النضج والعمق وإدراك طبيعة الشعر. وهنا بعض النقاط: • مفهوم التجريب الشعري -الذي لمسته في الأعمال- ليس مجرد عملية عفوية، أو ممارسة هامشية. بل هو محاولة المبدع لفتح مساحات وجودية جديدة، والكشف عن إمكانات كامنة في طاقات اللغة لبناء عوالم جديدة في الوعي. إنها -كما نرى- ممارسة تتسق مع عمارة الأرض الذي يمثل مسعى إنسانياً مركزياً، وهي عمارة تتمدد داخل الوعي البشري وتؤثث الوجود بالمعنى. • الحرية من ضغط التقاليد، والتخلص من قيودها، الكتابة الشعرية في هذه التجارب ممارسة للانعتاق والانغماس في حضن الشعرية. تصبح الشعرية بمثابة المرجع (في عالم يقوم على غياب المرجع)، تشكّل الشعرية الأمان، والمعيار الذي تستند إلى جداره التجربة الجمالية في هذه الأعمال. وتكون القصيدة علامة حية تشير إلى دلالة القصيدة المعاصرة بوصفها جوهراً “للشعر لا بصفته تمريناً روحياً -كما يقول رولان بارت- بل بصفته روعة وحيوية اللغة التي يحلمون بها”. وتصبح الكتابة الشعرية فعل حفر مستمر تحت قشرة الأرض اللغوية، فعلاً يشبه ظاهرة الأنفاق الأرضية المتشعبة. • لاحظت أيضاً: الاشتباك المتكرر والمتعدد الأوجه مع الفلسفة، لا في القضايا والمباحث، بل في آليات الطرح كذلك. محمد خضر يبدأ مباشرة باقتباس هيقل ودولوز، فيما يمعن بن عقيل في المعالجة الفلسفية (المعاصرة) للقضايا التي يطرقها، ونلمس الاشتباك أيضاً في التعامل (المخاتل) مع فلسفة الموت عند إبراهيم وعكور، وحتى في مساعي الهروب من الفلسفة التي يلمح إليها أبو شرارة، نجدها هروباً من الفلسفة بها .. وإليها. (أيها العمر أعد لي وجهي الأول واسلب حكمتك). • أخيراً .. العمق.. العمق. التجربة الشعرية في أعمال القائمة القصيرة تجربة عميقة، مرهقة، ومعقدة.. معقدة جداً في نبش أفكارها وتقليبها على حطب المجاز. العملية الشعرية -باختلاف أوجهها- عملية فتل مستمر. لهذا أعدها نموذجاً حقيقياً وصادقاً لمستوى التجاوز والنضج الذي بلغته التجربة المعاصرة للشعر السعودي. وأدعوكم جميعاً لقراءة هذه الأعمال. *** ويمكن أن نأخذ من المجموعة الشعرية الفائزة مثالاً؛ في مفارقة العنوان (يخطئ الموتى) تكمن عقدة الشعرية. الميت لا يلوي على شيء، لكنه يخطئ. يستثمر إبراهيم الحسين هذه المفارقة لخلق نصوص تتناول ثيمة الفقد من زوايا جديدة ومختلفة، نشعر بها ولا نستطيع التعبير عنها، يشعرنها العمل بنثرية هادئة وعميقة (تشبه صاحبها كثيراً)؛ نثريةٍ متخففة من الحشو والتصنّع، انثيال رقراق مكتظ بالصور والأسئلة وأساليب العتب. (يخطئ الموتى حين يقامرون بالموت.. يخطئون ويصرون على ثيابهم التي خلت منهم، يخطئون كأن أبوابهم ستحتفظ بقاماتها ولن تنحني). *أمين جائزة جمعية الأدب المهنية.