في مسيرة إياد عبد الرحمن، الحائز حديثاً على جائزة الرواية في مسابقة جمعية الأدب المهنية، تتداخل العوالم التقنية بالروائية؛ فمن أروقة جامعة يوتا بالولايات المتحدة حيث تخرج في كلية هندسة الحاسب الآلي، إلى جامعة شيكاغو حيث نال الماجستير في هندسة البرمجيات، وصولاً إلى صروح هارفرد التي حاز منها ماجستير علوم الحاسب وتقنيات التعلم، تبدو رحلته الأكاديمية كأنها خط مرسوم بدقة تقنية. غير أن ابن المدينة المنورة، المولود عام 1987، اختار أن يخلق عالماً أدبياً وثقافياً يوازي هذا الفضاء الأكاديمي الصارم، متوجاً ذلك بالإشراف على مشروع “ورشة جيل” لرعاية وتطوير قدرات المؤلفين الواعدين. بدأت رحلة عبد الرحمن مع الكتابة بالبحث عن الشكل؛ إذ أصدر مجموعتيه النصيتين “انعتاق” (2012) و“التغريد خارج السرب” (2013)، قبل أن يقتحم عوالم السرد الطويل بأعمال مثل “ريب المنون” (2014)، “الخليفة” (2015)، والنص ذي العنوان اللافح “صلاة استسقاء من أجل غيمة لم تمطر”. لكن المحطة التي قدّمته بقوة للمشهد الثقافي كانت روايته الصادرة عام 2023 “إهانة غير ضرورية”، العمل الذي توّج لاحقاً بجائزة جمعية الأدب المهنية، ليثبت أن النضج السردي يتأتى حين يتلاحم الهم الإنساني العام مع الأصالة المحلية. وعن سر هيمنة الرواية على عرش الأجناس الأدبية اليوم، يرى عبد الرحمن أن ذلك يعود “ربما لتفردها في توظيف الحكاية لإيصال المعنى، أو لأنها، منذ الأزل، كانت الأداة الفاعلة لمحاولة تعرية الواقع وتحليل سلوك الإنسان. فالإنسان يميل بطبعه لخلق عوالم أخرى جديدة تفسّر حياته، كما أن الجوائز المحلية والعالمية تذكي لهيب الإقبال وتزيد من شغف القراء لاكتشافها”. ولا يؤمن عبد الرحمن بالاستنساخ الفني ولا بالقصص المستهلكة؛ إذ ينطلق من قناعة راسخة بأن السرديات المعاصرة مطالبة بالخروج عن المألوف، مؤكداً: “أرى أن من الواجب على السرديات الروائية العربية بشكل عام، والسعودية بشكل خاص، أن تتطرق إلى مواضيع جديدة ومغايرة تفتح آفاقاً ثقافية بعيدة، وتختبر الإرث المحلي الذي يزخر بالكثير من القصص والأحداث الجديرة بالتداول. هنالك حكايات كثيرة يمكن أن تُستمد من الماضي القريب أو البعيد لصنع مرويات محلية عالية الجودة، وهي بدورها تصبح صالحة للتداول محلياً وعالمياً بسبب أصالة الموروث واختلافه عن السائد والنمطي”. ويؤكد أن روايته “إهانة غير ضرورية” جاءت ترجمةً حيةً لهذه القناعة؛ إذ تغوص في قضية محلية أصيلة لتقدم نموذجاً لسردية قادرة على تجاوز الحدود واختراق وجدان القارئ خارج الإقليم. وعندما يتعلق الأمر بحركة الأدب السعودي في ظل التغيير الذي شهدته المملكة خلال السنوات الأخيرة، يرى إياد عبد الرحمن أن العديد من الأعمال المحلية بدأ يتجه نحو مواضيع مغايرة تتواءم مع التغيير الاجتماعي الذي تشهده المنطقة. ويستدل على ذلك بعدم اعتقاده أن القضايا والمواضيع التي كانت تستند إليها الرواية سابقاً هي موطن اهتمام الروائيين في الوقت الحالي، مبيناً أن “هناك ميلاً كبيراً للعودة إلى الماضي واستخدام الموروث المحلي لكتابة أعمال أصيلة تمثل المنطقة وأهلها، وهذا على الأغلب ما فعلتهُ في رواية إهانة غير ضرورية”.