عبدالله العطية بقلم عبدالله العطية..

سيرة باحثٍ في الأدب والحياة.

في أواخر ثمانينيات القرن الماضي فتحتُ عينيَّ على ضفافِ الأحساء، وفي أزقَّةِ (الجرن) الأولى بدأتُ أكتشف العالم وأتلمَّس ملامح الحياة، وكان والدي الشيخ حسين العطية أولَ معلمي، فمنه تلقيتُ العلوم الدينية، واستمددتُ القيم النبيلة والمبادئ السامية والعادات الأصيلة التي أسهمت في بناء شخصيتي، وغرست في نفسي حب المعرفة والتعلق بأخلاقها وآدابها... أكملتُ مراحل تعليمي العام في مدارس مدينة الجرن، وبين دفاتر الدراسة ومساحات التأمل الأولى وجدتُ نفسي ميالًا إلى الفنون؛ فرافقتني ألوان الرَّسم، واستهواني الخط العربي بما يحمله من جمال وتناسق، ثم وجدتُ في الكلمة عالمًا أرحب من كل ما عرفته من قبل، فبدأتُ أخطُّ أولى محاولاتي الشعرية والأدبية باللهجة الشعبية، وقد اطلع عليها الشاعر الأستاذ ناصر الوسمي، فكان شاهدًا على بدايات ذلك الشغف، وصاحبت تلك البدايات فترة انقطاعٍ عن الكتابة إلى حين دخولي جامعة الملك فيصل، بيد أن علاقتي بالحرف لم تنقطع؛ إذ ظل الأدب يسكن أعماقي، ويهيئني لمرحلة جديدة من رحلتي مع الشعر والكتابة. في رحاب جامعة الملك فيصل عادت علاقتي بالكلمة لتزهر من جديد، فكتبتُ أولى قصائدي الفصيحة، وحين اطَّلع عليها والدي حفظه الله رأى فيها بوادر تجربةٍ تستحق الرعاية والتوجيه، فأرشدني إلى الشاعر الكبير الأستاذ جاسم الصحيح، قصدتُه آنذاك حاملًا معي كتاب (الكافي في العروض والقوافي للخطيب القزويني)، فاستقبلني بكرم الأديب النبيل وحفاوة المربي الحريص على اكتشاف المواهب وصقلها، حيث قرأ القصيدة المتواضعة التي كانت على بحر البسيط، ثم دوَّن في أعلاها تفعيلاته، وفتح أمامي أبواب الحديث عن الشعر وأسراره، وعن الكتابة وأدواتها، وعن مسؤولية المبدع تجاه الجمال والمعرفة، وفي آخر اللقاء أهداني نسخةً من ديوانه (وألنا له القصيد)، رغم أنني قرأت له (أعشاش الملائكة)، وكان لذلك اللقاء أثرٌ لم أنسه طوال مسيرتي؛ لأنه مثَّل نقطة تحولٍ في مسيرتي الأدبية، وأضاء أمامي معالم الطريق الذي ما زلتُ أواصل السير فيه، شاعرًا وباحثًا ومحبًا للكلمة. ومنذ ذلك المنعطف -الذي غيَّر نظرتي للأدب والمعرفة- أدركتُ أن الطريق إلى الأدب لا يُقطع بالموهبة وحدها -وهي جملة لم أنسها منذ أن ذكرها لي الأستاذ جاسم: الموهبة وحدها لا تكفي يا عبد الله- فعدَّلتُ وجهتي الأكاديمية من إدارة الأعمال إلى اللغة العربية بجامعة الملك فيصل، سعيًا إلى بناء معرفةٍ تساند ذلك الشغف المتقد منذ الطفولة، ومنح التجربة عمقها وأدواتها وآلياتها العلمية، وهناك اتسعت دوائر القراءة، وتجمهرت أسئلة الكتابة، وتراكمت التجارب عامًا بعد عام، حتى أبصر ديواني الشعري الأول (قبلة تسرق الحزن) النور الذي تفضل بطباعتهِ نادي خيمة المتنبي، وهو ثمرة مرحلة مهمة من مسيرتي مع الشعر والكلمة، وبالتوازي مع هذه التجربة الإبداعية، واصلتُ دراساتي العليا في الأدب والنقد بجامعة الملك فيصل، وأنجزتُ عام 2023م رسالتي للماجستير بعنوان (الحوار الدرامي في المسرح الشعري السعودي) بإشراف الأستاذ الدكتور سامي الجمعان، أستاذ النقد المسرحي والسرديات، ثم صدر هذا العمل في كتاب عن الهيئة العربية للمسرح بالشارقة عام 2025م، وحاز على المركز الأول في جائزة جمعية الأدب المهنية فرع الدراسات الأدبية والنقدية، وذلك في دورتها الأولى عام 2026م، وهذا كله عزز اهتمامي بالبحث العلمي والدراسات المسرحية والنقدية، كما أتيحت لي فرصة الإسهام في عدد من الدراسات والقراءات النقدية المتصلة بالشعر والمسرح، والمشاركة في أمسيات شعرية وندوات حول المسرح، وما زلت أرى في الأدب والنقد والمسرح أفقًا واسعةً للبحث والتأمل، الأمر الذي يدفعني إلى مواصلة الكتابة والدراسة انطلاقًا من قناعتي بأن المعرفة مشروع إنساني متجدد، ورحلة لا تنتهي. أما على الصعيد الأسري، فقد منَّ الله عليَّ بأسرةٍ أعتز بها، ورزقني بابنتين هما: فجر ولمار، وولدين هما: محمد وحيدر؛ وهم بهجة العمر، وزينة الحياة، ومصدر السعادة والطمأنينة... أسأل الله أن يحفظهم، ويبارك في أعمارهم وأعمالهم، وأن يجعلهم قرة عينٍ لي في الدنيا والآخرة. عبدالله بن حسين العطية