قراءة في كتاب البئر المستحيلة للشاعر المفكر الراحل محمد العلي (رحمه الله)..
محاولات لتجاوز السائد في الثقافة والمجتمع.
كان ذلك في أواخر العقد الثامن من القرن الماضي عام 1980 حين استدعاني رئيس فرع الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون في الأحساء لمراجعة المسودة النهائية من كتابي (متابعات أدبية) قبل الطبع، فقد دعاني الشاعر الراحل الكبير محمد العلي (رحمه الله) وكانت أمسية جميلة ظلت عالقة في ذاكرتي بعد مرور ما يزيد على أربعة عقود عليها، وقد مرت سنون عديدة بعد ذلك لم تتح لي فرصة اللقاء به إلا في مناسبات ثقافية قليلة، وقد تسنى لي أن أحصل على نسخة من كتابه الذي أعده أحمد العلي (البئر المستحيلة: محاولات لتجاوز السائد في الثقافة والمجتمع) بفضل الصديق الشاعر الكبير علي الدميني (رحمه الله). وها أنذا، وقد تلقيت النبأ الفاجع بوفاته (رحمه الله)، أعود إلى هذا الكتاب المهم لأتلمس أفكاره ورؤاه التنويرية في قراءة موجزة وفاءً لذكراه، وهو الشاعر الذي أجمع أعضاء لجنة تحكيم جائزة الأمير عبد الله الفيصل للشعر العربي على ترشيحه لهذه الجائزة لعام 2022 حيث تم تكريمه في 14 ديسمبر من ذلك العام ومنحت له في ديسمبر من ذلك العام، وكان لي شرف عضويتها آنذاك. لقد بدا واضحاً أن الشاعر الراحل محمد العلي لم يكن معنياً بنشر ما تنتجه قريحته في كتب، وقد تولى عنه ذلك ابن أخيه أحمد العلي، ومن مؤلفاته: نمو المفاهيم – تساؤلات وآراء في الوجود والقيم، وحلقات أولمبية – مقالات في قضايا التنوير والحداثة، وكلمات مائية، ووقوفاً بها، وهموم الضوء، ولا أحد في البيت، ولا ماء في الماء. والكتاب الذي بصدد عرضه وقراءته قام بإعداده أحمد عبد السلام العلي ابن أخيه ويقع في 383 صفحة، والنسخة التي بين يديّ طبعته الأولى التي نشرها النادي الأدبي بالرياض والمركز الثقافي العربي في الدار البيضاء وبيروت عام 2013، وهو يضم مجموعة من المقالات الفكرية والنقدية، نشر بعضها في صحف «القبس» الكويتية و«الحياة» اللندنية و«الجزيرة» السعودية، وأضيفت إليها مقالات لم تكن منشورة في الصحف. وتنبع أهمية هذه المقالات من كونها تسلّط الضوء على رؤيته الفكرية كما حررها بقلمه ونشرت باسمه، ويبرز عبرها مفاهيمه الرئيسة للمعرفة والحرية والتراث والسلطة الثقافية، وهي تمثل البعد الفلسفي الذي يمكن في ضوئه فهم تجربته الشعرية المتممة لرؤاه في بعدها الإبداعي وتجلياته الوجدانية وعمقها الإنساني. ولعله قد تجاوز السائد والتقليدي من الأفكار المتعلقة بالثقافة والمجتمع وقضاياه، وأطلّ على الخفيّ والمسكوت عنه، وتنطلق أفكاره من تلقائية مصدرها تأملاته العميقة وخواطره التي حاول من خلالها بنظرته الثاقبة استشراف حقائق الذات الإنسانية وهمومها الاجتماعية عبر مخزونه الثقافي وتأملاته العميقة، دون أن يكون معنياً بصياغات نظرية مقننة تتكئ على مقدمات منطقية ونتائج دوغمائية؛ بل بدا وكأنه يرصد ما يدور حوله من وقائع في مختلف المناسبات ويخضعها لتأملاته التي تخترق الصدفة التي تتقوقع فيها بعض الأفكار وما يعتقد أنه مسلمات معرفية. ولكن ذلك كله لم يكن شظايا متناثرة وأشتات مجتمعات؛ بل عبر استشراف يطلّ به عبر يقين منطلق من وحدة التصور والمنطلق الذي يعتد بالتزامه بقضايا مجتمعه وانطلاقه من قاعدة معرفية أخلاقية، وهو غير معنيّ بصياغة حقائق وجودية لا يأتيها الباطل؛ بل يعتمد السؤال سبيلاً إلى الفهم، ويدأب على المراجعة والمساءلة المستمرة؛ فالمطلقات التي يعمد إلى استقراء مفاهيمها في الفكر والثقافة والمجتمع يدرك يقيناً أنها لا تتمتع بحصانة اليقين؛ بل تتأثر بمعطيات الواقع وتحولاته. ويقف على أرضية ربما يمكن مقاربتها بفلسفة المثقف العضوي كما يراها الفيلسوف الإيطالي أنطونيو جرامشي، التي تشير إلى ارتباط المثقف بالمجتمع الذي ينتمي إليه معبراً عن مصالحه وتطلعاته، ويسهم في تعميق وعيه وتوجيهه؛ ولكنه يختلف عن جرامشي في كونه لا يتمترس في منظوره الطبقي، بل يقترب من دوره في تشكيل الوعي، ولا يعمل على التنظير والتقرير بأستاذية المعلم وفذلكة الفيلسوف؛ بل يطرح الأسئلة التي تبدو كالدلاء التي يمتح بها من بئر الوعي، ويجلو بمائها ما ران على البصر من غشاوة التضليل والزيف، ويدعو إلى التفكر وإطالة النظر وتمييز الغثّ من السمين في مساءلة دؤوب وبحث صبور جلاءً للرؤية وكشفاً للخلل. فهو يحمل في جعبة فكره من الأسئلة باحثاً عن أجوبة صائبة لها، بعيداً عن التقليد ينشد التصحيح والتصويب، وما العنوان الذي اختاره بحمولته الرمزية وقرب دلالته الكنائية إلا مدخلاً للغوص في العمق والامتياح مما هو محجوب ومنسيّ، فما أشبه الوعي بالبئر، أما الاستحالة فهي ليست كما هو ظاهر على سطح اللغة؛ بل هي تحفيز منشود ومفارقة تخترق حجب المخفيّ من حقائق غائرة في تلافيف اللاوعي ودعوة إلى انتشالها من ظلمات الإغضاء والنسيان. ولعل في جلاء مقصده من دلالة يكمن في مقالته المعنونة في الكتاب (البئر المستحيلة) فمنها ينبثق الضوء الهادي إلى الرؤية؛ فهو يقول في مستهل هذه المقالة: “وقف يوسف الخال باكياً على البئر المهجورة، ولا أدري ما ضره لو كان جلس؛ أما الشاعر شوقي عبد الأمير.... يريد أن يتحول إلى ماء بعد أن حاول في الأرض وفي اللغة أي ليحيلنا نحن إلى ماء” ص111 وهو يعني – كما فهمت من تعقيبه على مقولة عبد الأمير – أن الشاعر يتمنى أن تصبح البشرية في نقاء الماء وسخائه وعطائه، فيملأ ما حوله جمالاً وجلالاً، فيبرأ من أوضار الضغينة والكيد والحسد، ثم يقول معقباً: ليس مهماً أن يستطيع أو لا يستطيع، المهم هو ألا يكفّ عن ذلك كما فعل شوقي عبد الأمير. ويلخص مفهوم الاستحالة بقوله: استحالة القبض على طائر أمامك وأنت في قفص، وهكذا تتبدّى البئر المستحيلة في عجز المثقف في قفصه الحزين، وقد ختم مقالته برؤية متفائلة تمثلت في أن الطائر المحاصر في القفص (وهو من الماء نقاء وصفاء) في حركته الدؤوب سيتحول من سجن إلى جناحين تنطلقان بالطائر إلى آفاق الحرية، لم لا؟ كما يختم مقالته بهذا السؤال، فتصبح البئر المستحيلة قادرة على التحرر من عدميتها. دعوة للتخلص من وهم المستحيل، ويبدو تأكيده على هذا المفهوم الذي يتصل بدينامية الفكر وحركية البحث في مقالته (الانشطار) التي تنهض بمفهوم التواصل والاستمرار وديمومة السؤال الذي لا يكف عن التوالد وإنجاب الأسئلة، وعدم التوقف عند حدود معرفية؛ بل الاستمرار في طرحها لأن السؤال قرين المعرفة ومداد الكينونة في حيويتها وترسيخ وجودها كما يفهم من هذه المقالة. ولعل من المفيد العودة إلى ما تضمنه الكتاب من موضوعات تدلّ عناوينها على مؤشرات فكرية تتكامل في رؤيته لمختلف الجوانب الثقافية والفلسفية والفكرية؛ فتحت عنوان (كلمات مائية) تندرج مقالاته التي نشرها في جريدة القبس الكويتية (1994 – 1995) ومجموعة ثانية تحمل العنوان نفسه (كلمات مائية) نشرت في جريدة الحياة اللندنية 1998 – 2011 والمجموعة الثالثة من (كلمات مائية) نشرت في جريدة الجزيرة السعودية، ومقالات أخرى لم تنشر في الصحف. والملاحظ أن مقالاته بمجملها قصيرة أو متوسطة أشبه بنتاج العصف الذهني الذي يتكئ على ما يراه من ظواهر فكرية تأملية في الحياة والمجتمع، وهي عبارة عن ومضات كاشفة، وعناوينها مختصرة أيضاً، وقد بدا واضحاً أنه لم يكن يستسلم للخواطر تنثال بعفوية؛ بل عمد إلى هندستها وفق ترتيب مدهش يتجرّعها الوعي في ذروة صحوه؛ وسأضرب مثالاً استهلّ به كتابه البئر المستحيلة الذي أردف فيه العنوان الرئيس بعنوان فرعي (محاولات لتجاوز السائد في الثقافة والمجتمع) بما تومئ إليه هذه العبارة من اقتحام لآفاق جديدة في الرؤية. وقد عنون مقالته الأولى هذه بعنوان غير مألوف (أراخنا) وهذا اسم لفتاة تنتمي إلى أسطورة يونانية، تنافست مع الإلهة أثينا في سرعة الحياكة، فغضبت عليها أثينا وحوّلتها إلى عنكبوت. وقد أشار إلى أن العناكب ليست سامة فيما عدا عنكبوت الأرملة الأمريكي فلدغته مميتة، وربط بين اسم الفتاة وبين فصيلة العناكب (آرخندا) وعمد إلى الإيحاء بفكرته الرئيسة عبر التمثيل بالعناكب الأمريكية السامّة دون بقية العناكب، وربطها مؤصّلاً لها بالأسطورة الإغريقية لتستقرّ الفكرة الرئيسة في المقالة على أساس ثقافي رصين بملمح جمالي تصويري تمثيلي راسخ. ثم راح يؤكد فكرته عن الإمبريالية الأمريكية بما يوحي بارتباط ما هو سامّ ومؤذٍ بالجغرافيا، ثم هبط من الفضاء الأسطوري إلى أرض الواقع فأتى بمثال من الواقع المعاصر مشيراً إلى مصدره موثقاً له (جريدة الجزيرة - عدد 420) حيث ذكر قصة رجل من تكساس وضع قنبلة في حقيبة زوجته ومعها أطفالهم الثلاثة ليحترقوا جميعاً في مقابل حصوله على مليون دولار قيمة التأمين، وخلص بعد ذلك إلى ما قاله الفيلسوف الأخلاقي ألبرت شنيتزر عن الشرور المتعلّقة بإنسان هذا العصر ملقياً اللوم على الفلسفة التي سماها (الحارس النائم) وختم مقالته بتأصيل تراثي عربي قديم مستدعياً مقولة ابن رشد عن (الطبيعة التي خلق منها الإنسان والتركيب الذي ركب عليه، اقتضى أن يكون بعض الناس وهم الأقل أشراراً بطبعهم) في معرض ذكره لحوار دار بين أبي عمار السلولي وابن حمديس وغيث بن المسيب حول مقولة ابن رشد انتهت إلى استشهاد غيث بقول المتنبي: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم وكثيراً ما يستغرق في الاستشهاد بالوقائع والحكايات التاريخية التراثية في معالجته للقضايا الإنسانية، واللافت في منهجه أنه يستلهم التراث في بنائه للفكرة المحورية التي تدور حولها المقالة أو الخاطرة، فهو ينتقي نماذجه وأمثلته من القصص ومن الشعر ويبني عليها فكرته، ويستثمر أسلوب الرسائل أحياناً ليوصل فكرته يخاطب بها التاريخ والشعر والفلسفة والعدالة الاجتماعية والأعلام والقادة: كما في رسالته إلى (صدام حسين) والكتاب (كتاب الزوايا) والديمقراطية والفضائل والرذائل والبشاعة على سبيل المثال و(الحرية) والنظام العالمي الجديد وتكافؤ الفرص والسهام الموجهة لها: القبلية والأيديولوجية والدمار الأخلاقي والمجتمع الذهني والفرق البيولوجي واللون وحقوق المواطنة والنظام العالمي الجديد. ولعل من الواضح نزعته الانتقادية الإصلاحية فيما يتعلق بما أسماه (المراهقة اللغوية) واستخلاص الجوهر فيما يتعلق بخصائص النموذج من شعراء وغيرهم، كما فعل حين أشار إلى الصمت عند شوقي بزيع، ويومئ منتقداً إلى بعض الممارسات الكتابية والفكرية كما فعل حين تحدث عن (الحداثة): نحن في قفص ما قبل، فكيف يرهق سادتنا الكتاب أقلامهم في الكتابة عن: (ما بعد). ومما بدا واضحاً من سماته في المعالجات الثقافية استدعاء الماضي لإلقاء الضوء على الحاضر من خلال استشراف الظواهر العميقة لبعض ما تناقلته الأجيال وتوارثته من خصائص العقل العربي وانعكاسه في السلوك ومناهج التفكير عبر استقراء ما ورد من موروثات ثقافية كما يتضح في مقالته المعنونة (نقائض رصاصية). حيث يقول عن النقائض بوصفها ظاهرة من ظواهر النمو في العقل العربي: ومع ازدرائنا لهذا الضرب من التسلية، وهذا النوع من النمو العقلي إلا أننا تقبلناه قبولنا لأي ظاهرة كلامية لها أسبابها الموضوعية، واختتم مقالته بقول البردوني: هذي كلها بلادي وفيها كل شيء إلا أنا وبلادي محتجاً على ما رآه من قتل شاعر يمني لزملائه في أمسية شعرية مشيراً إلى أن النقائض التي تبادلها جرير والفرزدق لم تشهد اقتتالاً كما حدث في تلك الأمسية، وهذا عكس ما استشرفه البعض في النقائض بوصفها ظاهرة من ظواهر النمو العقلي، ومعالجته لمعنى الرفقة في موضوع تالٍ يأتي في هذا الإطار، ويمضي في استقصائه لما طرأ على العقل العربي من مؤثرات تحولت إلى خصائص خفيّة في الثقافة العربية تذكرنا بفكرة الأنساق المضمرة في النقد الثقافي كما أوضحه الدكتور الغذامي؛ إذ يعرج العلي (رحمه الله) على الاقتباس من خطبة لزياد بن أبيه جاء فيها “نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا” معقباً على ذلك في نهاية المقال بقوله “إن الأجوبة الجاهزة في طريقها إلى الانقراض، ولكن ماذا تصنع أمة في داخل كل فرد منها سيف مصلت على كلّ سؤال”. وهكذا يمضي محمد العلي في مقالاته التي لا تستجلي ذخائرها إلا دراسة دؤوب أثق أن كثيراً من الباحثين يتطلعون إلى النهوض بها.