في مختارات: «رمال تركض بالوقت»..

قصيدةٌ تتملَّى ذاتَها.. قصيدةٌ تتخطَّى الأسوار.

المدخل: شاعرية تتزين بها العتبة: تسعى القصيدة السعودية الحديثة - بقالبها النثري – إلى تقديم نموذجها الشعري المعاصر؛ وذلك بمعزل عن السجالات التي أعاقتها عن إبراز صورتها وما تستحقه من اهتمام لدى جمهور الشعر لعقود. تتخطى العقبات؛ سواء تلك التي بفعل ممانعة حراس القصيدة التقليدية، أم بسبب خلو جنسها الشعري من الضوابط والقواعد المحددة لجنسها؛ وهذا ما سهل عليها ممارسة التجريب المستمر على الشكل والمضمون. (1) تقدمت خطوات باتجاه المتلقي الكلاسيكي وحاورته بمفهوم “الشعرية” الحديث ضمن النظريات البنيوية، وباعتبار أن نصوصها جزء من النسيج الشعري العام الذي يشكل القصيدة. (2) فأقصى مدى لطموحها هو أن تستثير متلقيها وتدخله في حوار مباشر مع تلك المنمنمات اللغوية الدقيقة التي تشكل في مجملها اللوحة العامة للنص وتستدرجه للتفاعل مع مفهومها. ولعل أوضح صورة يتم من خلالها تقديم خطابها هو ما تقوله القصيدة عن نفسها “الميتا شعرية”؛ باستعراض قوامها ومحرضات اللحظة الإبداعية التي نشأ فيها النص، ومدى نجاحها في ذلك. مع ملحوظة مهمة نسعى لتكوينها، والبرهنة عليها؛ أن جزءا من سؤال الشاعر للقصيدة، هو في العمق منه كناية عن إثارات مفاهيمية يسعى عن طريقها الشاعر للوصول إلى معنى وجوده أيضاً، وكيفية تحقيقه. أي بمعنى أنها ليست مجرد «ثرثرة عقلية توقظ خيال البشرية في طفولتها» كما يقول الشاعر والروائي توماس لوف بيكوك. (3) إنما - برؤية هايدغر - الذي يرى في اللغة أكثر من مجرد أداة للتواصل الإنساني. إنها بُعدُ الوجود ذاته، وأن اللغة «هي بيت الوجود، وفي موطنها يسكن الإنسان. أما حراس هذا البيت فأولئك الذين يفكرون ويبدعون بالكلمات. واللغة هي الموضع الذي تكشف فيه الحقيقة عن نفسها، وأن الحقيقة هي كشف للوجود. (4) لهذا تأتي أهمية العمل الأخير للشاعر عبد الله السفر “رمال تركض بالوقت”؛ وهو عبارة عن استعراض ومسح بانورامي شامل لمنتخبات شعرية لأبرز كتاب القصيدة النثرية السعودية من أجيال مختلفة – شواعر وشعراء – تنوعت مواضيعها الشعرية لتشمل العديد من أوجه الاهتمام وشواغل الشاعر السعودي، ومدى إسهامه في تقدم القصيدة النثرية في المشهد الشعري العربي. ومن الجدير بالذكر أن هذا العمل جاء كمبادرة من إثراء – مركز الملك عبد العزيز الثقافي بالظهران – لترجمة هذه المختارات إلى الفرنسية وانتداب الشاعر معز ماجد لتقديمها بخطابها وعناصر جمالياتها وحمولاتها الفكرية والثقافية إلى الجمهور الفرنسي من خلال دار أل دانتي. وبهذا، تأتي المختارات الشعرية السعودية المعاصرة لتكشف عن مدى تقدمها، وتحوز النصوص التي موضوعها “مفهوم القصيدة” وبواعث كتابتها على نسبة ملحوظة من الحضور في المجموعة المنتخبة لأهميتها في تبيان المفهوم، وباعتبارها الإطار العام الذي تنضوي تحته النصوص الشعرية بمواضيعها المختلفة. فعلى الرغم من مقدمة الشاعر عبد الله السفر النثرية عن القصيدة الحديثة وتاريخ حضورها في مشهدنا السعودي، إلا أنه أفسح مجالاً واسعاً للقصيدة كي تتحدث عن نفسها من خلال نصوص الشعراء العديدة والتي سنستعرضها بالقراءة في هذه الدراسة، مع الإشارة إلى أنه عمد إلى تغييب نصوصه وعدم إدراجها في المجموعة تواضع منه، وإمعان في الموضوعية. مع الاعتبار إلى أن انتقاءات الناقد واختياراته الشعرية هي أحد أوجه العملية النقدية عند العرب، بالإضافة إلى الإخبار والتصنيف والتفسير والبلاغة والتحري والتقويم، حسب رأي عبد الجبار البصري. (5) وباعتبارها أيضاً عملية إبداعية أخرى تكشف عن ذوات مبدعة يؤمن الناقد عبد الله السفر بمنجزهم ويراهن عليهم في قوله: «الشعراء يجددون أعمارنا؛ أعمارَ الذين: يعيشون أقل من حياة وأطول من يأس». رؤية الشاعر، نظرية للقصيدة: عندما تصبح كتابة القصيدة بالنسبة للشاعر بمثابة المعادل الموضوعي للوجود، أو أنها “دونها الموت” كما يقول ريلكه (6)، فهو لا يتوقف كثيراً عند أسئلة الشعر التنظيرية؛ كالغاية، والضرورة، والأسلوب… يلحظها بطرفه، ثم يشيح عنها ويذهب إلى اللحظة التي يتوحد فيها مع موضوعه الشعري؛ تلك اللحظة من “الوجد” والانجذاب الصوفي التي تغيب فيها الأنا الواعية ويصبح حاله كما عبر عنه الشاعر لامرتين: أنا أفكر ولكن أفكاري تفكر بدلاً مني. (7) وعند إفاقته، يطلق الصرخة المدوية كما صدح بها يوماً الشاعر الأمريكي أرشيبالد مكليش: الشعراء يصارعون الوجود ليجبروه على أن يمنحهم وجودا؛ ويقرعون الصمت لتجيبهم الموسيقى. يأسرون المساحات التي لا حد لها في قدم مربع من الورق؛ ويسكبون طوفانا من القلب الصغير بقدر بوصة. لا ينتظرون حتى تتجمع الصرخة من تلقاء نفسها في حلوقهم، بل يتصارعون مع صمت العالم ومع ما كان خلوا من المعنى، ويضطروه إلى أن يكون ذا معنى. (8) وهذا ما يتفق معه الشاعر إبراهيم الحسين ترديداً لصدى صراخه في نصه “نعوي لنوقظ المرآة”؛ حينما لا تكفي إثارات الواقع وحدها للكشف عن مفهوم الوجود الكلي ومحنته، بل بفعل إمعان الشاعر في استنطاقه ومقاربته من زوايا متعددة، لذا؛ يقول: «نعوي لينهض الباب ويجمع أخشابه نعوي لنحفر ممراً لحطبنا المتسعر يمر منه إلى دخانه.. فلا تكون أشداقنا احتمالا ولا نكون غير ما نحن بهذا العواء». فالشعراء يتوجهون إلى عين العاصفة، مجردين من المفاهيم التي تشغلهم عن منازعة الوجود واستبطانه، يتسلحون بشيء من ميتافيزيقيا الشعور، وبكثير من حدوس اختمرت لفترات طويلة في مخيلتهم أثناء كمونه في اللاشعور. وفي طريقهم يزرعون الكثير من علامات الاستفهام كإشارات على امتعاض الكائن وحيرته، ولا ينشغلون كثيراً بمحاولة الإجابة والتفسير: «نعوي لنوقظ المرآة ونبقيها واقفة في زجاجها، ونمنع عنها النعاس لذلك نعوي ونعوي ونمد العواء طويلا في فرو هو المحاق بحوافه الملتهبة وبشرره.. نمده عميقاً ومتوهجاً في عقيرة طائشة نعوي لتنكرنا القوائم بانتصابها الشديد». أما عبد الله ثابت في نصه “أكتبُ حين أكتب” فهو قد تجاوز مرحلة الصخب والعواء لمنازعة المعنى واستفزازه لاستثارة المعنى الكامن في الوجود، وتعداه إلى رغبته في المقارعة والاصطدام مع كتلة الوجود الصلبة والاشتباك معها لانتزاع المعاني المقلقة ومواجهتها بكل شجاعة. فباعث القول الشعري لديه هو أمنيته بأن تتجسد كل المعاني المؤلمة والمحرقة على أشكال حسية ملموسة لينال منها: «أكتب حين أكتب.. لأن الكلمات حطبٌ وجودي جائع، وجبهتي منجل، والشعر معصيتي، وأنا هارب قديم من الأسلاك، كلماتي على ظهري، وذخيرتي في فمي، ومن بين أسناني تتواثب سباعٌ نهمة». وعندما تتلاشى أمنيته بخيبته وعدم مقدرته على تجسيد الألم والقلق الوجودي لأسره داخل بوتقة العقل، يعمد إلى استدراجه ناحية اللاوعي بتضافر من مخيلته الشعرية لإظهاره في ربقة القصيدة، ؛ علها تعينه في إيجاد طريقة للقبض عليه؛ لأنه زئبقي ويتلون في أشكال عدة وممعن في التواري: «وأكتب لأنني يتيمٌ ومنهك جداً، وألهث خلف منامٍ بنفسجي.. مرة يأتي على شكل خيطٍ متهدل بين إصبعي رجلٍ، لم يأخذ بثأره بعد، ومرة يأتي كامرأةٍ تحكها سرتها، ويأتي كثيراً كنسيان..». وفي الأخير، يعي الشاعر أن معاني الوجود تبقى متجردة وغير قابلة للتجسيد، لهذا تنشأ الحاجة إلى المخيلة التي تستطيع التعامل مع المجردات وترجمتها إلى مفردات يأخذ بها الشاعر ليوحي بما ينطبع على وجدانه من مفاهيم لمتلقيه على شكل قصيدة، وأن هذه هي فقط حدود نطاق الكائن البشري في تعاطيه مع قضايا الوجود: «أفّ.. لو أن للأصوات وجهاً ويدين، وأنا أبصر! أفّ.. لو تنسرب إلى جوفي لهجة القيعان والفوهات! أفّ.. لو أني أبتلع الأشياء التي لم تتكلم منذ خلقت! أفّ.. لو أصير شحنة عارمة في سحابة». هذا عن مفهوم القصيدة، وبالانتقال إلى بنيتها وممارسة التجريب عليها؛ نجد الشاعر ماجد العتيبي في نصه “قلق”؛ وقد أفصح عن تصوره لها من مبدأ قلق المبدع الإيجابي لإيجاد الشكل المناسب للتعبير بمفهوم الإنسان المعاصر وثقافته ومعارفه. يفاضل بين خياراته، ويمارس التجريب وفق ما وعاه عن مفهوم الشعرية الحديث الذي لا ينسبها إلى قوى ميتافيزيقية متعالية تقيم في وادي عبقر أو جبال الأولمب، بل إلى الذات الشعرية التي تكشف عن نفسها من خلال وعيها باللغة واستبطان الوجود والتعاطي مع قضاياه بقلق الكائن وحيرته؛ ليتولد عنها قوله الشعري. وعيه لمهمته التي تتعدى وصف العالم إلى عالم امتلكه وامتصه العقل البشري بصورة تامة من خلال المجاز الذي حافزه الربط والتوحد، كما يقول نورثروب فراي. (9) يغادر منطقة اليقين التي استقر عليها موروثه البلاغي إلى أرض جديدة يقيم عليها هيكل قصيدته ويضع كامل تجربته الشعرية على محك التقييم والمساءلة لاستشراف أفق القصيدة النثرية الحديثة؛ بعد عقود من التجريب وعدم الاستقرار في بنيتها والتي أكسبتها ميزة القابلية للتطور الدائم والمستمر من جهة، واصطدامها المباشر مع الموروث الشعري العربي الكبير الذي - فيه، وبه - اتخذت القصيدة مفهومها المستقر في المعارف والذائقة إلى عهد قريب. وبجدلية تصعيد الطموح واستحقاقات الواقع، تنفرج عتبة النص لتكون مدخلاً ملائماً للولوج في عالم نصه الشعري وتكشف عن مفهومه الذي ينازع فيه لفك القصيدة من انشداداتها التاريخية بتغيير المفهوم والشكل: «بين قلق الاحتمال وصراحة الممكن يأتي الشعرُ مبللاً بالشكوك وتقف الفكرة الجديدة على الحواف بعكازين قديمين وحفنة من الظنون لا تكفي لاختبار جودة الداخل بينما اليقين الفالت من فخ السمنة يصبح نحيلاً بما يكفي لينزلق من تحت الباب ويذوب في غمرة الخارج». فمغادرة خيمة الشعر العربية والإطاحة “بعمودها الشعري” لتقويض بنائها، ثم الانتقال إلى فضاء آخر تبني فيه القصيدة بيتها الحديث هو الهاجس الذي أطر كامل النص الشعري وتفاعلت معه مفردات القصيدة؛ على شكل مرافعة تبتدأ بكشف إرهاصات التغيير الذي مارسته القصيدة بمحاولات أبي تمام والبحتري، مروراً بالموشحات والمربعات والمخمسات... وانتهاء “بالتفعيلة” والتي وصف النص تلك الجهود على أنها انطلاقة وتجريب في أقصى مدى تجيزه اللغة الشعرية الكلاسيكية ولا تتجاوز حده: «وتقف الفكرة الجديدة على الحواف بعكازين قديمين». وفي المقابل، يعرض النص بنية القصيدة النثرية الحديثة باعتبارها معالجة لترهل القصيدة «اليقين الفالت من فخ السمنة» بمحدداتها التي تعتمد على الإيجاز والتكثيف والإبراق بالفكرة، ذلك دون اتكائها على الرمز والمفارقة اللفظية والموقفية. وبهذا تتجاوز القصيدة النثرية أسوار الشعرية العربية القديمة لتطل على هيكل شعري آخر ليس في قواعد بنائه الوزن أو القافية وتموسق الجمل الشعرية التقليدي، بل شاعرية تعتمد على إيقاع الفكرة وتزاوج بين المفردات بغير القيود التي شرعها الأولون: «حينها فقط تصبح النافذة عادة منزلية لا أكثر والحائطُ وضعٌ مستقر لخلافٍ دائمٍ حول من أتى أولاً ونصب خيمته حتى الصبيةُ التي حان دورها في القصيدة تترك كيس الموسيقى خلفها وتركضُ نحو الإيقاع لصوت أمها كي تكنس الصالون وتُعِد عشاء أخواتها تعود الصور من حيث أتت، ويبقى الشاعرُ وحيداً في قصيدته يحاولُ الخروج». فالقصيدة النثرية عندما «تترك كيس الموسيقى خلفها» فهي لا تتخلى كلياً عن الإيقاع، بل توجد لذاتها إيقاعاً نابعاً من «النبر والتركيب الصوتي للغة النص والأبعاد الدلالية للنظم، أي من المكونات ذاتها التي تمنح النثر بكل أشكاله وتشكيلاته إيقاعا ما، ولا تولد وحدها إيقاعا شعريا بالتحديد العربي للإيقاع الذي يقوم على التكرار المنتظم لمكونات معينة وفي تشكيلات وزينة محددة. قصيدة النثر بهذا المعنى لا وزن لها، لكن لكل نص منها إيقاعا»، كما يقول كمال أبي ديب. (10) إذن، ما يطمح إليه الشاعر العتيبي هو ثورية القصيدة التي تكسر حدود النص الشعري وتخرج عن نطاق محددات الشعرية الكلاسيكية؛ برفضها للإيقاع المنتظم بكل أشكاله، وأيضاً لا تبتكر لنفسها بحوراً خاصة بها؛ حيث كل نص منها له إيقاعه الفردي المتعين كما يضيف أبو ديب. ومن ناحية أخرى، نرى أن مفهوم التجريب في القصيدة الحديثة لدى شعراء المختارات يتعدى مجرد تثوير اللغة، ويتجاوزها إلى تلك المساحة التي تُماهي بينها وبين الفكر وهو في قمة استفزازه. ذلك المزيج الإبداعي الذي يقبض على اللحظة المتوهجة بفعل هز أغصان اللغة بتزامن مع مصادمة العقل – بشقيه الواعي واللاواعي – مع قضايا وجودية محل اشتغالات الشاعر وانهمامه الجاد بها. ممارسة ينتج عنها “القول الشعري” الذي يأتي منفلتاً من قوالب الأشكال الشعرية، وأنماط التفكير الاستدلالي بغياب قصدية الشرح والتوضيح، وهذا ما تعبر عنه الشاعرة روان طلال في نصها “محاولات عديدة لقول الشيء نفسه”. فروان تمارس التجريب على الفكرة بأن تعيد للكلمة ألقها بإخراجها من دورة الاستهلاك الذي تهترئ فيه اللغة بفعل التكرار إلى خلق آخر من المعنى المتجدد والصور الشعرية المختلفة: «تكرار دائم لكلمة واحدة يمرنها الوقت لتخرج في كل مرة بوقع جديد». القصيدة الحقيقية في طموح الشاعرة هي التي تخلق جملها الشعرية معانٍ متجددة لتعبر عن كينونة الإنسان الحديث وتطلعاته نحو وجود يمكن التعايش مع أزماته، وأحلام قابلة للتحقق، بعد استبطان الشاعر لحقيقة وجوده وموقعه منه. فباللغة الشعرية – كما يقول جاك دريدا –يأخذ الشاعر الكلمة ليحررها من قيود السنين التي علقت بها، وهو استعمال يشحن الكلمة بإيحاءات مضاعفة. يطهرها ويطلقها حرة، لا ككلمة يقيدها المعجم، ولكن كإشارة حرة تحدث في النفس أثراً لا معنى. (11) لهذا تقول الشاعرة: «تمرين مكثف ليخرج الليل من كهفه الليل الأول سابقاً للوجود بخطوة ومحتفظا بسبق البحث عما يعنيه كلما طرق باباً أو أفرغ قلباً..». فممارسة التفكير من خلال المخيلة الشعرية، هو تحفيز للعقل وقيادته لملامسة القضايا التي ينشغل بها الشاعر في لحظته الإبداعية، وهي مزيج من هز أغصان اللغة ومصادمة العقل بواقع مغاير يتعالى على نمطيته في التفكير والاستدلال المنطقي. ممارسة يتماهى فيها “الموضوع” “والمحمول” في التقسيم الأرسطي لمنهجيات التفكير. فاللحظة الشاعرية الإبداعية متعالية على نمطية التفكير، ولا أسبقية في هذا الفعل ولا تراتبية بين من أطلق الشرارة أولاً؛ اللغة أم الفكر. بل هو عبارة عن ذهاب إلى قاع العقل اللاواعي في نفس اللحظة التي تعمل اللغة على انتقائيتها من المفردات المعبرة: «عشرات الكلمات تحتشد لتعلن أن الحرب البعيدة بدأت.. ليال طويلة يحرسها الأرق وعناوين عديدة تطوف باحثة عن فراغ آمن». وكما نرى، فإن العملية الشعرية هي انحراف وهدم للأنماط التعبيرية العادية من جهة، وإعادة بناء وتصحيح كما يقول جين كوهين، وإن محور الصورة الشعرية الحديثة يتمثل في هذه الحركة المتذبذبة التي تتأرجح بين فقدان المعنى المألوف وتركيب المعنى الجديد ثم العودة لفقدانه مجدداً عندما يعثر عليه القارئ. (12) والقصيدة أيضاً خلق آخر للغة لا ينشد منه استقرار المعنى بل تثويره بتقليب جميع زواياه ومن ثم التأكد من تماسك الفكرة من خلال مراقبتها أثناء اختبارها، كما تعبر عن ذلك الشاعرة أبرار سعيد في نصها “بئر”: «أريد أغنية تقذفني إلى أعماق بئر أريد أن أسقط حصاة ترتفع داخل الماء لتعود وتسقط أريد أن أكون مركز هذا الدوار وغيابه». لا يبتعد الشاعر زياد السالم في شذراته “نار الحداد وعين الفراشة” عن رؤية الشاعرة روان في “تمارينها المكثفة” للقصيدة ونزعة التجريب فيها، وينوع على المعنى من زاوية التأكيد على أن الكتابة الشعرية يجب أن ترتفع إلى مفهوم الخلق الشعري المتجدد من خلال تقنية تقترب من المفهوم الصوفي للتغيير العميق “المحو والإثبات”. الفرادة في مقاربة الفكرة عن طريق إزالة ما علق بها من تصورات سابقة، والإبداع في ابتكار صور شعرية جديدة لها: «الكتابة الجذرية محاولة للفرار من الأشباه. إنها محوٌ للشبه وإمعانٌ في القطيعة. ما جدوى الكتابة إذا لم تبتكر دروباً للتيه، يتعثر في مسالكها النظراء». فمطمح القصيدة الحديثة هو الظفر بتلك الاختطاطات الدقيقة للمفاهيم التي تتجدد بتطورات الحياة والمعارف، وإلى تجاوز الحياة الواقعية؛ لأن الاعتبار للعمل الفني حسب الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا جاسيت ليس في تقديمه للواقع والذي يعتبره حقيقة مستقلة عنا، إنما هو في المباعدة بينه وبين الحياة الواقعية؛ وذلك لأنه أسلوب وفكرة جديدة؛ وإنه ليس صورة للواقع وإنما هو بدوره واقع آخر يضاف إلى واقع الحياة. (13) وبهذا يؤكد الشاعر زياد على مفهوم الكتابة الشعرية التي يستشرفها: «الكتابة الجذرية قائمة على توليد الفوارق وتشكيل الفراغات التي تنبع من داخلها ثقوبٌ سوداء. إنها الحضور المطلق في هيئة ذات كثافة سديمية». فذاتية الشاعر وإن كانت ليس بالضرورة أن تكون حاضرة في عمله، لكن أسلوبه المتفرد هو اللصيق بذاته الشعرية وبه يُمَيز؛ حيث الأسلوب هو طريقة للكتابة عن طريق الاختيار الواعي لأدوات التعبير كما يقول بيير جيرو (14) وعن هذا يعبر زياد السالم بقوله: «البصمة الأسلوبية لا تتشكل من خلال القراءة وحسب. الأسلوب هو البؤرة الأكثر عمقاً في روح الفنان؛ إذ يزيح العتمة عنها فتغدو بؤرة مشعة ذات أثر». وبتنويع آخر لمفهوم التجريب على القصيدة في جانب المواضيع الشعرية، نرى أن بإمكان القصيدة أن توقظ فينا أحلاماً ظننا أنها تلاشت، أو رؤى لم تجد بعد فرصتها في البروز على سطح الرغبة، وبهذا المفهوم يتمثل الشاعر عبد الرحمن الشهري ذلك في نصه “قصائد منتصف الليل” ويفسح المجال واسعاً لشاعريته كي تنتقي موضوعها بين ركام الذكريات ومواقف الحياة، وهو لون آخر من التجريب على الموضوع الشعري بمحرضات استرجاعية: «أترك لقصائدي فرصة النمو بعيداً عني. ترعى عشب الحياة الرطب، وتسير تحت المطر. أحياناً أقع في غرام امرأة، ثم أنسى الموضوع. أنساه حتى أسمع طرقاً على إحدى النوافذ. أفتح للضيفة القادمة من مكان بعيد. الضيفة ترتمي على الكنبة من شدة التعب. متعبة جدا، ولكنها ترتب شعرها أمام المرآة. إذا كانت مدخّنة؛ تشعل سيجارة مارلبورو أحمر. أقرّب لها المنفضة، ولا أسألها عن شيء. تذهب إلى المطبخ، وتصنع فنجان قهوة، وكأني غير موجود. هل عرفتني عبد الرحمن!؟ ملامحك ليست غريبة عني، وربما نكون قد التقينا في حلم. أعتقد ذلك تقول، ثم تتحول إلى كلمات». وبالخلاف مع الشاعر الشهري، نجد الشاعر حمد الفقيه في نصه “حياتي قصيدتي” وهو لا يعنيه مصدر الشاعرية وجهة انبثاق القصيدة؛ سواء جاءت عن طريق الوعي أو ما وراءه. فالإبداع في توقيته يتعدى الفعل الإرادي والرغبة إلى عامل لاشعوري أو نصف شعوري؛ يمكن تسميته اصطلاحاً بالوحي الذي من صفاته المفاجأة واللاشخصية؛ آتياً من خارج الإنسان من نقطة هي موضوع الاستيحاء. وبتعبير موزارت: تتهاجم علي الأفكار جماعة وبسهولة زائدة ولا أعلم كيف أتت ومن أين أتت. (15) فالشاعر حمد ينتهج السوريالية طريقة في التعبير عن مفهومه للقصيدة ومحرضات كتابتها، حيث السوريالية تعتمد على التلقائية والصدفة والخواطر العابرة بنزعة آلية؛ تجعل الفنان يسترسل في تجسيد إحساساته وهو يكاد يكون نصف نائما، أو يسمح لكلماته أن تصور إحساساته وخواطره المتتابعة دون حساب فكري، كما يفسرها محمد بسيوني. فبهذه المقدمة السالفة يمكننا التقدم نحو نص الشاعر الفقيه عن جهة إلهامه الشعري: «لا أسأل من أي ناحية يأتي الشعر إنه يأتي من كل صوب من كل سهو». فالمهم بالنسبة للشاعر الفقيه هو عدم انفصال القصيدة عن ذاته وكأنها جزء من تكوينه، وبتوحده معها تمنحه إحساس الامتداد على طول الوجود وخارج حدود زمانه. فبهذا التماهي مع القصيدة يفصح الشاعر عن عاداته الكتابية وأن تعبيرات القصيدة قد تأتي في غير انتظام للمعاني بجمل شعرية لا تمنح متلقيها المعنى المباشر: «حياتي قصيدتي عاداتي المبعثرة في كل مكان ونظرتي البطيئة وكأني عشت هذه الحياة من قبل». والقصيدة أيضاً عند حمد الفقيه هي الإنسان في جميع مواقفه إزاء الحياة، تشهد معه نجاحاته وتعبر ألماً عن إخفاقاته وتشي بضعفه البشري وتعكس جميع ذلك على جدارية اللغة: «حياتي قصيدتي التي أحشوها بالأكاذيب والصراخ.. وأعقاب السجائر». وفي نصه الآخر “أنا أكتب عن شخص يشبهني” يتعزز هذا المعنى، وأن الشاعر يختلق مسافة بين ذاته المثالية التي يطمح الوصول إليها، وذاته الواقعية؛ فبجمعهما من خلال القصيدة تنتج ذات تعبر عنه لكنها تشبهه ولا يتطابق معها: «لا أكتب عني أنا أكتب عن شخص يشبهني شخص وحيد مذعور لأنه يسمع كل شيء ويعرف لماذا يختفي النمل فجأة من كل مكان شخص وحيد يشعر بالهواء البارد الذي يدخل قلبه ويخرج ولا يعرف كيف يقول لكم ما يشعر به حينها ليس الألم، لا يستطيع أن يقول هو الألم إنه شيء لا يوصف شخص مذعور ينتظر شيئا لا يمكن أن يحدث إلا مرة واحدة مرة واحدة». ما هو الشيء الذي لا يتكرر في حياة الشخص ويقوده الألم؟ هنا الشعر يتخذ من سوريالية المعنى طريقته في التعبير ويلح على الخيال لإبراز كوامن اللاشعور حتى يكشف عن قلقه الوجودي الثاوي في النفس؛ باعتبار الموت بؤرة توتر الكائن، والذي بالرغم أنه حادث يقع لمرة واحدة إلا أنه يحف بكامل حياة الفرد ويؤطرها. أما عن لحظة انصهار اللغة بالفكر، فالشاعر شريف بقنة في نصه “اكتبها” يفصح عن ذلك باعتبارها لحظات تجل مدهشة وانكشاف لا يمكن استدعاؤه برغبة من الشاعر وقصديته، إنما تأتي من دون تحديد أو توقع: «وقد نعيش منتظرين لحظات لا نعلم عنها ولا يتسع حدسنا فيدركها وإنما تجتبيها صدفة الأيام ونزق الأقدار، لحظات تجلًّ تتعطش إليها الروح ظمأى وتقشر الحياة فيها نمش المعاناة، تفك أزرار قميصها وتكشف عن حسنها متكئة على حافة السرير، جذلى». فالشاعر لحظة اعتمال القصيدة وفي مرحلة التخلق، يكون منفتحاً على أحاسيس وأفكار يشبه فيها الشاعر جيمس جويس العقل كفحم خابئ يخضع لنفوذ غير مرئي أو كرياح غير مستقرة توقظه للحظة إشراق مؤقتة. (16) فهذه اللحظة المتوهجة الشبيهة بتلك الحالة من الوجد والانكشاف الصوفي، والتي طالما تغنى بها المتصوفة باعتبارها المكافئة العظمى التي يمكن أن ينالها القلة النادرة من السالكين، هي لحظة تجلي الشعرية الناتجة عن انفعال الشاعر مع موضوعه الشعري بتعزيز من قوى المخيلة المدركة. عند هذه اللحظة يوصي الشاعر شريف: «أذهل في تجليك حينها وابتهل سلواناً لا يشوبه ندم ولا يلحقه استغفار، ولا تفرط! لا تفرط بكل ما فيها وأدخر شيئاً منها». ثم ينتقل الشاعر من توصيفه لهذه اللحظة المتجلية وبروتوكول الاستقبال، إلى توصيته باستدامتها لأطول مدة ممكنة وكتابة ما ينضح من معان وما يتساقط من أفكار، وكأن هذه العملية ناتجة عن تفعيل قوى في النفس تقع فوق العقل، فيأتمر لها العقل الواعي ويترجم ما تقوله: «واكتبها، اكتبها على سلم مخرج الطوارئ، فكل ما تفعله حينها محض عروج سماوي وكل ما تكتبه قصة نبي. اكتبها، قبل أن ينتهي المشهد، يخلع الممثلون ملابسهم ويعودون لبيوتهم في حارة النسيان. اكتبها قبل أن تتضاءل فالندم لئيم والوقت قصير والأمانة كسرت عواتق الرجال. اكتبها أعلم أنك ستبذل الحبر من دمك والوقت من وجع يقرض بأظفاره في قلبك أكتبها حتى تفسد على الموت خطته، تبعث الموتى من صدرك أطفالاً جددا. أكتبها قبل أن تغادر السفينة وارم بالمرساة في محيط الحبر. ثم ارحل مطمئناً كمن يعرف جيداً أنه وقت الرحيل». حث الشاعر على سرعة المبادرة بكتابة القصيدة قبل أن تتبدد لحظة التجلي هو في غايته القصوى تحرير لتلك المعاني المتحصل عليها وتوثيقها قبل تلاشي لحظة الوجد تلك. وفي معنى آخر، فسح المجال للدفعة المبدعة لتتحقق بشكلها الأولي دون أي تدخل متعمد يعوق هذا الانطلاق. في هذه المرحلة يتم التقاط ثمرة نتاج الحدس في المخيلة الشعرية؛ ذلك أن الحدس عند الشاعر له طبيعة عقلية وهو مغاير للحدس الغريزي، كما يقول لريمان بوليير. (17) القصيدة المسرودة: عندما تتقاطع القصيدة النثرية الحديثة مع الجنس السردي، فهما يلتقيان في منطقة مجتزأة من كليهما؛ فيفسح السرد مكاناً للقصيدة لتسرد موضوعها الشعري بتوظيف بعض الصيغ السردية كالتبئير الداخلي والمنولوج، - وفي المقابل - تمنح القصيدة بعض صورها الشعرية وقليل من المجاز عندما تريد القصة أن تمعن في استثارة مخيلة قارئها وإشراكه معها في متعة التأويل والولوج إلى عالم الدلالات المتعددة. الشاعر ماجد الثبيتي مارس التجريب على القصيدة من هذا المنطلق، وكان موضوعه السرد - شعري هو القصيدة نفسها باستعارته للصيغة السردية في حدودها الدنيا بحيث لا تزيل سمة الشعرية عن صفة القصيدة وتلصقها بالجنس السردي، فيبتدأ نصه “قصيدة بغرض اللعب “ بهذا المدخل: «مجموعة من الأطفال، أثناء اللعب، استطاعوا إقناع أحدهم بأن يكون قصيدة. تطلّبَ الأمر كثيراً من الرفض والتردد، قبل أن يوافق، قائلاً لنفسه: ماذا سيحدث إن كنتُ قصيدة لمرة واحدة فقط؟ اشترط عليهم ألّا يخبروا والديه بالأمر، وأن يبقى الأمر بينهم سراً. وعَدوه بذلك، وانطلقوا في المهمة الشيقة». إلى هذا الحد من النص والسرد يمثل السمة الطاغية على مجمل جمله؛ فلولا مقدار الترميز الكبير وكثافة الدلالة الذي يجبر المتلقي للتريث: (استطاعوا إقناع أحدهم بأن يكون قصيدة) لكان مدخلاً ملائماً لقطعة سردية بامتياز. ولهذا يتوقف الشاعر فوراً عن أسلوبه وينتقل إلى الجمل الشعرية بضخ المزيد من الترميز والتكثيف والإيحاء بالمعاني حتى يزيل أي شبه بالعلاقة السردية عن نصه: «يجلس وحيداً، وهم يركضون. يراقب الجبل ويخبرهم كل شيء عن تحركاته. يقلّد صوت مركباتٍ فضائية، وهو في مكانه. يحطمون الأشياء الصغيرة، وهو يقوم بالاعتذار منها بدلاً عنهم. يقف وراء أي جدار وهمي في خياله. يطير عندما يتطلب الأمر. يستسلم قبل إعلان أيّ حرب بينهم، لأنه في الأصل وُلِد محايداً. يمد يده أمام كل ريح تسير في الطريق الخطأ ويفعل ما يستطيع لاعتراضها. لقد كان مهيّأً بالفطرة لهذا الدور، وأكمل حياته هكذا بسبب أنّ أصدقاءهُ لم يقولوا له: انتهى اللعب». فالقصيدة كما يراها الشاعر الثبيتي هي عبارة عن مجموعة رؤى وأفكار تختمر داخل المخيلة من أجل القيام بدور وظيفي يسهم في تقليل مستوى التأزم لدى الكائن؛ ذلك عندما يفرض تصوراً مغايراً لواقعه، ومواجهة الخلل الذي يشوه صورة الحياة. فمفردة “الحياد” التي وردت في النص، ما هي إلا تعال على المعارك الهامشية التي ينشغل بها الإنسان في خلافه مع بني جنسه، لكنه في مطلق مفهومه فهو: (يمد يده أمام كل ريح تسير في الطريق الخطأ ويفعل ما يستطيع لاعتراضها). وحتى نحسم سمة التشابهات السردية في هذا النص، يمكننا إجراء مقارنة بين صوت السارد العليم في القصة وصوت البطل الناطق في النص الشعري. فالأول يكون مطلعاً على مجرى الأحداث في القصة، وقد يكون مشاركاً في بعض وقائعها، بينما البطل الشعري في رأي الناقد كارلوس يوسنيو هو الذي يتحدث إلينا من خلال القصائد الشعرية ولا يوجد بأي حال من الأحوال فيها. بل هو يتقمص دور المؤلف وقد يعبر عن سمات فعلية للمؤلف، أو عن سمات يريد المؤلف أن نفترض أنها واقع شخصيته. ويعني أيضاً أن الراوي الشعري ليس المؤلف، لكنه رمزه. (18) بينما يتبرأ مؤلف العمل السردي من مواضيع وشخوص قصته أو روايته. تأنيث القصيدة: (الشعر مذكر والقصيدة أنثى)، مقولة يراد منها إزالة الحدود المصطنعة بين القولين الشعريين الذكوري والأنثوي. فالشعر بجموحه وانفلاته من حظيرة اللغة وانقلابه عليها، وكذلك إمعانه في رسم خرائط متجددة يوثق فيها تقدم انزياحاته عنها هو نزعة الذكورية متطرفة، والقصيدة باعتبارها الرحم الذي يتخلق فيه الشعر بهدوء وروية هو جانبه الأنثوي. وبهما معاً تحدث “الشعرية” المتعالية على التصنيف ويتساوى فيها جميع من يوهب هندسة اللغة من الجنسين من دون تفاضل. بهذه التسوية، يمكننا التعاطي مع نصوص “شواعر” المنتخبات الشعرية لاستكشاف أفق القصيدة ومفهومها لدى الجانب الأنثوي الذي يتشارك مع الذكوري باعتبارها ضرورة وجودية وتعبيرية عاطفية عن مشاغل الذات وأزماتها كما تقول هيفاء العيد في “نصوص قصيرة” : «أهجرُك فيأكل الشعر فمي». الشاعرة في هذا النص تستنطق القصيدة من خلال صور حسية تجسدها وتربطها بالجسد الأنثوي الفائق في حساسيته ودقة تعبيره، وباعتبارهما أيضاً “خطيئة” – أي جسد المرأة وقولها للشعر – كما في الأدبيات العربية الكلاسيكية: «القصيدة خطيئتي أعد لها ما استطعت من وجهي خصري النحيل وأطرافي وخمرة سوداء وأدنى أدنى ارتعاشاتي كتفي الوعود المؤجلة كفك عذابات التكهن، وبيننا تشهقُ اللغة». فهذا هو الفارق الوحيد في التعبير عن مفهوم القصيدة الأنثوي عنه عن الذكوري، حيث يكتسي ظلالاً من العتمة منشأها محمول ثقافة الأسلاف عن أحقية الأنثى في التعبير الشعري. ولهذا تتضامن الشاعرة هدى ياسر مع الشاعرة هيفاء مبدية طريقتها في التواري عند الرغبة بقول الشعر وإنها تمارسه في السر مرتدية “طاقيّة إخفاء” كما عنونت به نصها التالي: «أهلي لا يعرفون سِرّي، لا أحد ينتبه أن بينهم شاعرة، لخاطر القصيدة أسرق نفسي من الحياة الكبيرة، محيطي ليس مغرياً، عائلتي بلا أب، بلا أجداد، القصيدة عِمادي، أنا شاعرةٌ، والرب يهبني طاقية إخفاء فلا يعرفون». فعلى الرغم من المخاطر المنظورة في محيطها الأسري والاجتماعي، إلا أن الشاعرة هدى تؤمن بشاعريتها وتصر عليها وإن ألجأها ذلك إلى أن تستعير أسماً آخرا، أو رمزاً، أو حتى أن تخفي اسم عائلتها وقبيلتها لتتمكن من بوحها: أمي، لو أطلعتها على التفاصيل ستُصبحُ زائرةَ مناماتي الجديدة، أخي هذا المسالم في أبسط تخيلاتي، أتصور أن يكب أجهزتي في الماء، العائلةُ الكبيرة، ستهتم بالكائن الحي المعلق على حِبالِ القمع، لن يقتلني أحد بأيةِ طريقةٍ مشهورة، سيدعكون في التراب روحي، وسأكتب قصيدةً تدركها الريح، ستعصف بأهلي، والمحيطِ من حولي، وأظل الشاعرة. وفي ختام سياحتنا في المختارات الشعرية واستطلاعنا عن مفهوم كتابة القصيدة النثرية الحديثة من خلال النصوص التي تم تناولناها بالقراءة، نجد أنها وفي مجملها تفترض قارئاً واعياً لطبيعة طرق التلقي الحديثة والتي لا تتطلب من قارئها فهم النصوص بل أن يعيشها. أن يترك نفسه للعبة الصور أو الدور ليكون مهيئاً لتذوق النصوص الرمزية والسوريالية، كما يقول محمد القيسي. (19) فالانفعال مع الشعر كان سابقاً وقبل عصر الحداثة الأدبي هو محصلة لجهد القارئ في التوصل إلى المعنى المنطقي وفهمه، أي أنه كان ينفعل مع النصوص ويتأثر بها بعد فهمه لها، وبعد الحداثة أصبح يتأثر وينفعل أولاً ثم في مرحلة لاحقة يمكنه فهم ما قرأه. فهذا الانفعال السابق على الفهم هو ما يطلق عليه الناقد كارلوس يوسنيو “باللاعقلانية الشعرية”، ويضرب مثلاً على ذلك عن رهابنا وخوفنا من مجرد نيتنا لدخول غابة نائية موحشة وقبل دخولنا الفعلي. (20) وبهذا يحق للشاعر مالارميه قوله عن الشعر بأنه ليس لغة جميلة فحسب، إنما هو لغة كان لابد من أن يخلقها الشاعر ليقول ما لم يكن من الممكن أن يقوله بطريقة أخرى. (21) وهذا ما تحاول الشاعرة فوزية أبو خالد أن تشير به إلى قارئ القصيدة الحديثة، الذي نختم به هذه القراءة الموجزة: «لا تتصفحني على عجل لئلا يفوتك رفيف الأجنحة وسياق شهوة الحياة مع الريح إن صادفتْكَ طريق مفروشة بالأشواك فلا تعد أدراجك مد يداً واقطف خيطاً من أخيلة ريشتي لنسير معاً على طريق حرير الأمل». هوامش (1) يرى موريس شابلان أن «قصيدة النثر هي نوع لم يتجرأ أي منظر على أن يعلن عن قوانينه، وأن هذه الحرية تمنحها فعالية فقدتها كافة أنواع القصائد الغنائية». من كتاب قصيدة النثر، سوزان برنار – ترجمة: راوية صادق. ج١، صفحة ٣٣ (القاهرة: دار شرقيات للنشر والتوزيع. ط١، ١٩٩٨) (2) عن مفهوم “الشعرية” يقول جون كوين: «الشاعرية: علم موضوعه الشعر، وكلمة الشعر كان لها في العصر الكلاسيكي معنى لا غموض فيه. كانت تعني جنساً أدبياً هو “القصيدة” التي تتميز بدورها باستخدامها لأبيات. ولكن اليوم أخذت الكلمة معنى أكثر اتساعاً على أثر تطور يبدو أنه بدأ مع الرومانتيكية: بدأ المصطلح أولاً يتحول من السبب إلى الفعل، من الموضوع إلى الذات وهكذا أصبحت كلمة “الشعر” تعني التأثر الجمالي الخاص الذي تحدثه القصيدة، ومن هنا أصبح شائعاً أن نتحدث عن “المشاعر” أو “الانفعالات الشعرية”». من كتاب: بناء لغة الشعر، جون كوين – ترجمة أحمد درويش. (مصر: الهيئة العامة لقصور الثقافة، ط1 1990). (3) الخيال الأدبي نورثروب فراي – ترجمة: حنا عبود. صفحة ١٦ (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، ط١، ١٩٩٥) (4) إيرينار ر. مكاريك – ترجمة: حسن البنا عز الدين، موسوعة النظرية الأدبية المعاصرة، صفحة ٥٣٩(القاهرة: المركز القومي للترجمة، ط١، ٢٠١٦) (5) عبد الجبار داود البصري، الأدب التكاملي، صفحة ٩. (بغداد: وزارة الثقافة، سلسلة الكتب الحديثة. ط١، ١٩٧٠) (6) راينر ماريا ريلكه – ترجمة: صلاح هلال – رسائل إلى شاعر شاب، صفحة 9. (القاهرة: الكرمة للنشر، ط1، 2018) (7) البير سوور، مصدر سابق صفحة 98 (8) أرشيبالد مكليش – ترجمة: سلمى الجيوسي. الشعر والتجربة، صفحة ١٧ (بيروت: دار اليقظة العربية للنشر، ط١، ١٩٦٣) (9) نورثروب فراي – ترجمة: حنا عبود، الخيال العلمي، صفحة 23. (دمشق: منشورات وزارة الثقافة. ط1، 1995) (10) كمال أبو ديب، قصيدة النثر وجماليات الخروج والانقطاع. مجلة نزوى – العدد رقم 17، يناير 1999 (11) مريم حمزة، غموض الشعر ومصاعب التلقي، صفحة ٨٤ (مؤسسة الرحاب الحديثة، ط١، ٢٠١٠) (12) صلاح فضل، النظرية البنائية. صفحة 255 (القاهرة: دار الشروق، ط١، ١٩٩٨) (13) اميرة حلمي مطر، فلسفة الجمال، صفحة ١٨٠ (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، ط٢، ١٩٩٤) (14) بيير جيرو - ترجمة: منذر عياشي، صفحة ١١ (حلب: مركز الإنماء الحضاري، ط٢، ١٩٩٨) (15) محمد بسيوني، الفن في القرن العشرين، صفحة ١٤٩ (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب. ط١،٢٠٠١) (16) ت.س. إليوت، مصدر سابق. صفحة ٩٤ (17) ملك أحمد أبو النصر، تحقيق الوجود الإنساني في التصوير. صفحة ١٥ (الإسكندرية: منشأة المعارف) (18) كارلوس يوسنيو – ترجمة: علي إبراهيم منوفي – صفحة ١٨٤ (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة. ط١، ٢٠٠٥) (19) مجلة شعر، العدد الثاني عشر، السنة الثالثة – أيلول ١٩٥٩ (20) كارلوس يوسنيو، مصدر سابق، صفحة ٤٧ (21) جون كوين، مصدر سابق، صفحة ١٦٤