في ديوان «كوكب وخمسون مجرة» للشاعر حسن شهاب الدين ..

الواحدُ المتعدِّد والخلاصُ من التِّيه .

تزدادُ ضغوط الحياةِ كلَّما تقدَّم الإنسانُ في العمر، وحينَ يصل “الخمسين” تكونُ الأزمات على أشدِّها، إذ لا تتوقَّف عند الاحتياجاتِ اليومية والانشغالاتِ الطارئة، حيثُ تصيب الروح وتسبِّب الألم للضمير، إذ يشاهدُ المآسي تحيطُ به، فيصبح أسيراً للضياع والتِّيه، حِينذاكَ يبحث عن علاجٍ لمشكلات العَالم؛ لإدراكه أنَّهما لا ينفصِلان، فما يؤثرُ على الروح يتأثرُ به العالم، وما يصيبُ العالم تتأثرُ منه الروح، هذا ما يطرحه ديوانُ “كوكب وخمسون قصيدة” للشاعرِ حسن شهاب الدين. أكثرُ ما يوجع أنْ يجد المرءُ نفسه غير قادرٍ على التأثير، فيظلُّ مفعولاً به، يتأثرُ ولا يؤثر، ليكبُر ألمه ويصل إلى الضَّياع والتشرُّد، حتى يبلُغ مرحلةَ “الشك” و”اللا يقين” في كل شيءٍ من حوله، بما في ذلكَ ذاته وأفكاره ووِجدانه (مفتتح): “التِّيهُ أوَّل خُطوتي وحَقائِبي حيرَى بلا عنوانِ صَوتي بلا مأوَى وكلُّ قصيدةٍ بيتٌ بلا بابٍ ولا جدرانِ” يصابُ الجميع بالشكِّ واللا يقين، حيثُ العالم مضطربٌ وفاقد للتوازن؛ ما يؤدِّي إلى تعميق إحساسهم بالضَّياع، الفارق أنَّ الشعراء أكثرُ قدرة على اِلتقاط المرض وأشدُّ حساسية تجاهَ تأثيراته، إذ سُرعان ما تظهرُ على “الروح” و”الجسد”؛ ليختنقَ الشاعر وتضيقَ به الحياة، ولا يجد علاجاً إلا بالكتابة، التي تمدُّه بالقدرة على الاحتمالِ والتماسُك (اللا يُرى): “أرمِي بتعوِيذَتي على الورقَه وأختفِي.. في سُطورها القلِقَه يجسِّد الغيبَ في يدِي قلمٌ تُوحي إليه أصَابعي النَّزِقه أمضِي.. وكل ُّالدُّروب باحثةٌ عنِّي وخلفِي الحيَاة منطلِقَه ... أجوبُ تِيهَ الوجُود منفرِداً وأعيُنُ العالمِينَ منطبِقَه” معاناةُ الذات بمفردها لا تكونُ علاجاً للضياع والـ”تيه”، فثمَّة أرواح تحملُ من الهموم أضعافاً؛ لذا لا بدَّ من خلاص يقضِي على أسبابِ المأساة، لتبتكر الذاتُ خياراتها، فتلجأَ إلى الاتِّحاد مع الذوات الأُخرى؛ لأنَّ الخلاص فعل جماعيٌّ لا فردي (الرَّحالة): “إلى الرُّوحِ.. تنزعُ ثوبَ الجسَد ومِن كوَّةٍ.. في سَماء المَرايا رأَى ما رأَى خلفَها فاتَّحد” “الحرب” أبرزُ المآسي، ولا خلاصَ للبشر إلا بإيقافِها، إذ تجعلُ الحياة بلا فائِدة، فتتحوَّل الروح إلى فراغٍ معتم، تسيطر عليه الظُّلمة والحزن، ويمتلئ بالخرابِ واللا يقين، ولأنَّها ليست فعل فردٍ واحد؛ فإنَّ إيقافها مسؤوليةُ الجميع؛ لتحضُرَ القصيدة وتتوحَّدَ مع الذات، حيثُ سيكون لها امتدادٌ وأثر (رغبات صبيانية): “فأنا سؤالٌ لا جوابَ له.. أأنا القصيدُ أم القصيدُ أنا؟” احتاجَ “عشرين عاماً” من كتابةِ الشعر ومطاردةِ المعنى؛ كي يدركَ أن الخلاصَ لا يكون إلا جماعيًّا، فالمعاناة لا يمكنُ أن تنتهي إلا عبر فعلٍ مشترك، أمَّا الشعرُ، ذلك الصوتُ الصادح، الذي يحملُ الهموم ويحكِي المواجع، فظلَّ يلهم ويوجَِه وينشر المحبَّة والتآخي (كائنات العدم الجميلة): “ضيَّفتُ شعباً في خيامِ قصَائِدي لم يلقَ سقفاً تحتَ سبعِ شدادِ ولممتُ ضحكةَ طفلةٍ مكسورةً وبمزهريَّتها.. زرعتُ فؤادِي أنا هؤلاءِ.. تُكَمُّ أهةُ جرحِهم فأكونُ صرختَهم على الأشهادِ” الشعرُ صوت يبحثُ عن “حلول” لمشكلاتِ الإنسان، وغيابهُ يعني الدخول في التِّيه و”التشرد”؛ لذا سيكونُ وجوده ضروريًّا، لأنه يبحثُ عن معنى الحيَاة وكيفيَّة العيش، وهو ما جعلهُ يجازف بالدُّخول إلى المتاهَة، رغبة في الحصولِ على الخلاص، وإزالةِ أسباب الشكِّ واللا يقين (رغبات صبيانية): “لي رغبةٌ في التِّيه قافِلتي.. وحدِي بها والرَّاحِلون.. أنا” تِيهُ الجماعة ينعكسُ على الفرد، وتِيهُ الفرد ينعكسُ على الشعر، إلى أن يغدو الصوتُ مساوياً للحزن والضَّياع؛ لتتمدَّد “المتاهة” وتشمل كلَّ ما يحيطُ بالذات، ومن أجلِ الخروج من المعاناةِ ينبغي إيقافُ الحرب، إذ هيَ سبب الدَّمار والتشرُّد والوجع، فالخلاصُ منها يمثِّل علاجاً للروح والجسَد (الخَرِيفيُّ): “شاعرٌ.. لقَّنَت الشِّعرَ له شرفةٌ في الأفقِ بالغيمِ مُصابَه إبرةُ الوحي التي في يَدِه نسجَت للشِّعرِ في صمتٍ ثِيابَه حينَ كانَ الشِّعرُ طفلاً ضائعاً يمضغُ التِّيهَ ويستَسقي سرابَه” التمسُّك بالأرض يصبح علاجاً لمشكلات الذَّات وخلاصاً من الضَّياع، إذ تمنحهُ المأوى والأمَان؛ لذا تمَّ استدعاؤها ومخاطبتُها، فأتَت “بيروت” و”القدس” و”بغداد”، أمَّا “مصر” فلها خصوصيَّة لا تشبه البقيَّة؛ ما دفعهُ لمخاطبتها والتغنِّي بها أكثرَ من غيرِها (عن تلك التي في القلب): “عن مصرَ.. صلصالُ الوجودِ ترابُها عن نيلِها.. والضفتانِ كتابُها عن أهلِها.. ووجوهُهم مرآتُها ... عن مصرَ.. تلكَ قصيدةٌ لم يكفِها عشرونَ حرفاً فالوجودُ كتابُها” تخرجُ الذات من معاناتها عبرَ استدعاء الجماعةِ والامتزاج بها، حيثُ المآسي لا يكونُ الخلاص منها؛ إلا عبرَ العودة إلى الأصولِ والتمسُّك بالثوابت، وعلى رأسِها “الأرض” التي نشأَ وتربَّى وحصل على هُويِّتها، وبهذا يعودُ الصوت الشعريُّ إلى وظيفته، في خدمةِ الجماعة والتَّعبيرِ عن همومها؛ ليغدوَ طريقاً للخلاص من التشرُّد والضَّياع.