(على شفة الأحان) الديوان الأخير للشاعرة منى البدراني المعروفة بـ (خنساء المدينة). وهو لقب أسبغه عليها عمها، كما صرحت بهذا في أمسية شعرية لها أقيمت بمقهى السبعينات بالرياض تحت رعاية الشريك الأدبي، وأشارت إليه في مرثيته، وهو لقب تفخر به كما تفخر باسمها ونسبها حيث مهدت للديوان بقولها: فأنا المنى وجذوري البدراني لقب تأصل فخره بكياني ويزيدني خنســاء وهــج تألق لأصــالة توَّجْتُــها ببياني صدر الديوان عن دار كاغد في عام 2025 في خمسين ومائة صفحة، ويضم ستين قصيدة ومقطوعة من الشعر الخليلي، ما عدا بضع قصائد من شعر التفعيلة. ولم يأتِ اختيار هذا العنوان للديوان عبثا، فهو يضم كثيرا من القصائد التي أداها بعض المنشدين، وبعض (الأوبريتات) التي أديت في مناسبات مختلفة. وقد عبرت شاعرتنا عن غنائية شعرها بقولها من قصيدة بعنوان (للمنى): ما بين رقتها وهمس حديثها غنَّتْ عنادل حرفها المدرار ويمكن توزيع قصائد الديوان على أربعة محاور رئيسة، هي الشعر الديني أو الإسلامي، والوطني، والعائلي، والمهني. ولا نستطيع الفصل بين شعرها الوطني والإسلامي، لأنها حين تتحدث عن المدينة المنورة والعقيق والروضة الشريفة فهي تتحدث عنها من وحي عاطفتها الدينية، وفي الوقت نفسه باعتبارها الموطن الذي تنتمي إليه ونشأت فيه: يا روضة الطهر بالأشواق تستبق إلى جِنـان بها أنس .. بها عبقُ نهفــو إليــك .. وللــزوار أفئـــدة بالحب تدعو ودَمعُ العينِ يَندَفِقُ ومنبر النور بالأطيـاب جــاورها وحُجْرةٌ من ثرَى المُختارِ تَأْتَلِقُ ومن مقطوعة (عليه صلاة الله) تقول: صلاة الله تترى يا حبيبُ وعطرٌ بالحيــاة لنا يطيبُ نرددها وبالأرواح شوق ودعوات لها رب يُجيــب ونُكثِرها بجُمعتنا فتروي قلوبا أجدبت فهي الطبيب كما تعبر عن بهجتها برؤية الحجيج يتدفقون أفواجا، ويستقبلهم الأهالي بكل حب: همت القلوب بفيضها الثجاج لما تراءى موكــب الحجاج لبت نداء الحج شوقا جامحا من كل أصقاع أتـتْ وفجاج فتسابقت أيدي المدينة لهفـةً لتصــافح الإطلال بالإبهاج نثرت على درب الحفاوة وردها وبخورها مع عابق الآراج وتُمورها ببشــاشــة مُـدَّتْ لهــم شَــهْدٌ بِعَجوتِها وكُنهُ عِلاج ومن قصائدها الدينية قصيدة تتحسر فيها على وداع رمضان، وما زالت القلوب عطشى إلى غيثه، تقول فيها: بالأمــس كنــا للِّقــا .. تتطلــعُ ما لليالي في عناقــك تســرعُ؟ رمضان يا خَيْرَ الشُّهُورِ مَثَابَةً أنت الكريم المستفيض الأروع هلا اتأدتَ فَمــا تـزالُ قُلُوبُــنا للغيث عطشى نَبْضُها لا يَرْجعُ هلَّا رَئِمْتَ على عبادٍ أجهشوا لمــا رأوكَ مُشَــمِّــرًا سَــتُودِعُ ومن قصائد المناجاة؛ (إليك) و(مددت كفي) التي منها: مــددتُ كفّــي بدعــوات أردّدُها والبوح في غُصّةٍ مازال مُتصلا من لي ألوذ به والدمع يُحرقني؟ إلاك مولاي يا مُعطي لمن سـألا فارحم بعفوك زلاتي ومعصيتي من لي سواك إلهي أرتجي أملا؟ وإذا انتقلنا إلى القصائد العائلية وجدنا قصائد تعبر فيها شاعرتنا عن فرحتها بنجاح أبنائها وبناتها، ومن ذلك قصيدتها التي تبتهج فيها بتخرج ابنها (بدر) طبيبا من جامعة طيبة، أجرتها على شكل حوار بينهما، فقالت: أبُنيَّ: يا حِضْنَا تَنَفْسَ أَضْلعي أتحققت آمــال قلــب شُــيِّدا؟ قال: افرحي وترنَّمي يا جنتي هاك السنابِلَ شَامِخاتٍ حُصَّدا هاكِ الشهادة بامتيــازٍ ضمَّها شرفُ المراتبِ والتميز أكَّدا لعلوم طبٍّ والأشــعة مطلبي شخصتُ فِيهــا مَا أُقدِّمَهُ غَدا أمَّــاه يا نبع العطـاءات التي نثــرتْ فتيــلاً للعزائم أوقدا ويتضمن الديوان قصائد رثاء فيمن فقدتهم من أسرتها الكريمة، يمكن إدراجها ضمن الشعر العائلي، فقد رثت أباها في واحدة من أطول قصائد الديوان (20 بيتا)، تقول فيها: كم غصة أخفقتْ في البوح عن كَمَدٍ بأضلعي حمحمتْ تشتاق تصريحي سأزفرُ الشــعر تخفيفًــا، ولاعجتـي وضَّــأتُها أحــرُفا من دمــع تبريحي مهما سكبت مراثي القلب في جَلَــدٍ أظــل أبكيــه في ذكــري وتسبيحي وقد تضاعف حزن شاعرتنا بفقد عمها بعد بضعة أشهر من فقد أبيها - رحمهما الله - فقالت: رحــل الذي أسمانيَ الخنساءَ والحــزن فاض مواجعـا وبكاءَ فَقْــدٌ تَلا فَقْــدا، بقلبــي مأتــم أواه، هل يجدي القريض رثاء؟ عمي، أبي، والنائبات تكالبت صــبرا فؤادي حكمــة وقضاء فهما اللذان يجاذبان قصائدي فخرا، وحُبًّا، سَلوةً، وثناء كما رثت والدة زوجها وهي لفتة نادرة في شعرنا العربي إلى الحموات اللائي شوهتْ (الميديا) العلاقة الطبعية بها، فتقول معزية زوجها: أنَّ الفــؤادُ فخانتْنِــي تعابيــري فكيف أسكب للأحباب تحبيري؟ أيُّ الحــروف توافينــي بقافية؟ أي المضامين تنعاها تصاويري؟ دمعي تَحــدَّرَ مــن فَقــدٍ أَلَمَّ بنــا تسربلتْ مُهجتي ثوب الدياجيــر صبرًا أبا أحمدٍ يا نبضَ أوردتي مصابنا واحــد قد شَــلَّ تفكيري ولها شعر من وحي مهنتها التعليمية، فلها قصيدة (معلمة البيان) التي أهدتها للمعلمة بمناسبة يوم المعلم، ولها قصيدة في منصة التعليم (مدرستي) توحي بمواكبتها لتقنيات العصر الحاضر، فضلا عن ولائها لجهود الوزارة التي تنتسب إليها: ذا موكب التعليم ركــبٌ ســائرٌ رغم الجوائح والتباعد يثمرُ قنواتُه في البـثِّ يَبــرقُ طيفُــها فإذا بوابلها يَفِيــضُ ويَعْمُــرُ ومنصةٌ في ظلها وهــج الرؤى لتضُــمَّ جيلاً للمطامح يمخر والاسم (مدرستي) تجدَّدَّ نهجُها رسما وفعلاً والدراية مصدر فيها المعلم خلف شاشات سعى إن غاب لوح أو تعــذَّر دفتر كما يمكن أن نعدَّ قصيدتها في اللغة العربية من هذا الباب، باعتبارها تخصصها فضلا عن كونها هويتها: خلود بذكر الله والأصل راسخُ تتيــه حبــورا في ســماه طــوالعُ تجود ثراء في فروع علومـها فذا الحسن غلاب وذا اللفظ ماتع بلاغــة إعجـاز تفــيء بظلها فتبهــر أفهامــا، ويطرب سـامع وإذا تأملنا لغة شاعرتنا وجدناها لغة رصينة تستمد رصانتها من تراثنا، ومن قصائد فحول شعرنا العربي، إذ تضمنت بعض أبياتها مفردات لم تعد مستخدمة في لغتنا المعاصرة. ومن ذلك استعمالها الفعل (رَئِم) الذي اعتدنا استعمال صيغة المبالغة منه (رؤوم)، كما مربنا في قصيدتها عن وداع رمضان (هلا رئمت على عبادٍ أجهشوا). كما تتدفق محفوظاتها من القرآن الكريم والشعر العربي، على شكل اقتباسات وتضمينات تمنح أبياتها قوة وجزالة وأصالة. وخير مثالٍ جَمَعَ هذا كله قصيدتها (وكب المقانب) التي كتبتها لجائزة وزارة التعليم للفروسية، وقالت فيها: ألمْ تــرَ أنَّ العاديــات ضـوابحٌ بصبحٍ مُغيــراتٌ لوَكْــبِ المقانبِ مثيراتُ نقع في الفلاة مضوع ويورين قدحا في متون الغوارب (ومنجرد قيد الأوابــد هيكل) تغنَّــى بهِ القيســيِّ من كل جانب يخــلدها عبد العزيز بطــولة (عُبَيَّةُ) تحدوه بشتى المواكب هي العزة القعساء مجد مؤثل مآثرها وسْــم السَّنا والمراتب وأختم هذه القراءة بما بدأت به من أن كثيرا من شعرها غنائي، وقد أدى بعض المنشدين بعض قصائدها، ومنها القصيدة التي حملت عنوان الديوان (على شفة الألحان). ومن الأوبريتات أوبريت (صمود وعطاء) عن المعاق، وأوبريت (لغتي) الذي عرض على مسرح وزارة التعليم، ومنه هذا المقطع: ثَمِـلَ القلــبُ وغنّــى مُغــرمــا بعروس غيثها فينا همـى فتهادى الضاد يعلــو الأنجــما إنها مجد تسامى في الأفقْ لغتي تنساب من عذب القريحْ لحن دانات وتبيان فصيحْ فانتشى وجه المجازات المليحْ يا لحرف ماسَ حُسنا وألقْ