« محمد بن عبدالعزيز بن مانع .. رحلة علم وعطاء» ..

من “ أشيقر “ إلى ريادة التعليم في الخليج .

هذه سيرة غيرية  كتبها عبداللطيف بن عبدالله بن دهيش عن “ الشيخ العلامة محمد بن عبدالعزيز بن مانع “، ولا شك أن صاحب السيرة جديرة بالكثير من الكتابات ، فقد قضى عمره متعلما ثم معلما ، و ارتحل في سبيل ذلك بين مواقع كثيرة فكان كما قال الحديث النبوي ( كالغيث أينما وقع نفع)، و تكوينه العلمى يظهر لنا كيف كان العلماء يصلون إلى غاياتهم العلمية قبل عصر التعليم الحديث، فقد كانوا يتدارسون أمات الكتب الشرعية واللغوية على من اشتهر من العلماء ، وحين ينتهون من علم من العلوم يأخذون منهم إجازة تدل على تمكنهم من هذا العلم ، وهكذا يجمع الطالب منهم هذه الإجازات ، ليصبح معلما ، و خلال مراحل تكوينه العلمى يكون قد ناب عن مشايخه في إلقاء بعض الدروس ، وممارسة الوعظ والخطابة في المساجد .  الشيخ ينتهى إلى عائلة من مدينة أشيقر تعدد فيها العلماء وحفظة القرآن الكريم، ولد عام ١٣٠٠ للهجرة و أرسله والده مبكرا إلى الكُتاب، وعندما توفي والده و كان في سن صغيرة قالت له والدته : إذهب إلى تلميذ جدك و شيخ أبيك الشيخ محمد بن عبدالله بن سليم في بريدة فأقرأ عليه، عامله الأستاذ كأحد أبنائه ، فلازمه حتى توفي، وكان مقامه في بريدة فرصة ليقرأ على أكثر من شيخ ، معظمهم من تلامذة أبيه ، و قد أتقن في هذه المرحلة الكثير من كتب التوحيد والفقه والحديث والنحو والفرائض. أراد الشيخ الارتحال إلى حواضر العالم الإسلامى طلبا للمزيد من العلم ، و علم الشيخ على المقبل بذلك ، فأرسل إلى عم صاحبنا يعاتبه على السماح له بالسفر ، و عرض الإنفاق عليه إن كانت به حاجة ، لكن العم أوضح أنه راغب في التزود بالعلم ، و لا حاجة له إلى المال ، و ليت كاتب السيرة هنا يوضح لنا كيف كان الشيخ يحصل على نفقته ، هل كانت هذه النفقة من عائلته أم أن مجالس العلم  تجد من ينفق عليها في العالم الإسلامى من دخل الأوقاف ، مثل ما كان يحدث في الأزهر ، من إنفاق على الطلبة الذين يسكنون رواق الشوام أو رواق المغاربة. محطته الأولى كانت بغداد التى كانت حافلة بالعلم والعلماء ، مكث فيها متفرغا للعلم أربع سنوات ، ثم انتقل إلى القاهرة فقضى ثلاثة أعوام،  حضر دروس الشيخ محمد عبده ، و قرأ على عديد من العلماء ، و أعجب بأفكار الشيخ جمال الدين الأفغاني. ثم انتقل إلى دمشق ليدرس على علمائها فقضى عامين يطلب العلم ، عاد إلى نجد فقضى اشهرا ثم عاد إلى العراق ، البصرة و الزبير ثم بغداد ، و عندما نطالع اسماء الكتب التى قرأها فى هذه المرة على شيخه محمود شكري الألوسي فإننا نعجب من تعدد مجالات العلوم التى كان يدرسها ، وسعة أفقه العلمي، “فقد قرأ عليه كثيرا من رسائل إبن تيمية، و قرأ كتبا في علوم المعاني و البديع و البيان، و كثيرا من الرسائل المختصرة مثل : الفريدة في الإستعارات،  و شرح العصام عليها، و مراجعة شرح الشرح للسحيمي، مع حاشية الزيباري علي العصام ، و شرح الملوي عليها ، و المطول في شرح التلخيص، وشرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، و البهجة في شرح السيوطي عليها، و شرح القطر للفاكهي”، كما قرأ عليه رسالة العلامة العضد مع شرح القوشجي عليها ، و رسالة الشيخ أبى بكر الكردي في علم الوضع ، و شرح منظومة العلامة حسن العطار في الوضع ، كما درس لوامع البينات للرازي ، مع مراجعة لوائح الأنوار للسفاريني، و شرح العقائد الأصفهانية  لابن تيمية، وكذلك قرأ طرفا من تفسير البيضاوي، و شرح السلم ، و شرح الدمنهوري، و شرح الملوي الصغير ، و شرح الرسالة الأندلسية في العروض والقوافي. كما كتب حاشية على شواهد مغني اللبيب لإبن هشام ، الأمر الذي أثنى عليه أشياخه ،  فأشاروا عليه  أن يشرح كتاب “ شواهد القطر “ فقام بشرح مفصل مبسوط سماه “ سبل الهدي”، و ما أوردته أمثلة على ما قرأ ، و قد أورد الكتاب دراسات اخري عديدة له ، و لذا فقد دعاه بعض الأكابر من أهل بغداد ليكون إماما  يقرأون عليه ، فقرأوا عليه الصحيحين والجزء الأول من كتاب “ زاد المعاد” ، و الجزء الأول من مسند الإمام أحمد، والموطأ للإمام مالك  ، و بعض كتب التاريخ، و كتاب نزهة الخاطر للحافظ  ابن حجر. و إنما يدل ذلك على متانة تكوينه العلمى. كانت أنشطة التبشير قد تمادت بعد أن  استقر المبشر ذائع الصيت “ صموئيل زويمر” في البحرين ، مما أثار غيرة أهلها على دينهم الإسلامي، فأسسوا مكتبة ثم طوروها إلى نادٍ ، وفروا فيه الكتب و المجلات المشهورة  مثل المقتطف و المؤيد و المنار ، و أمام النشاط الكبير للإرسالية الأمريكية في المنامة ، تداعى المثقفون من أبناء الخليج للتعاون في مجال مكافحة التبشير، و عملوا على احتذاء مثال الشيخ محمد رشيد رضا الذي أقام جمعية أسماها “ الدعوة و الإرشاد” في القاهرة لمقاومة التبشير، فأقاموا مؤسسة ثقافية تشمل المنتدى الإسلامى الثقافى و المدرسة ، أنفق عليها أثرياء البحرين. ووقع اختيارهم على الشيخ إبن مانع ليكون مديرها، لما شاع عن سعة علمه وقوة حجته و قدراته فى الشرح و المناظرة. و هكذا انتقل صاحبنا من بغداد إلى المنامة ، بدأت المؤسسة بصفين دراسيين ، و غرفة مطالعة و مكتبة، ثم تطورت إلى مدرسة متخصصة في تدريس العلوم الإسلامية. و كان مما تدرسه إضافة إلى علوم الدين واللغة العربية، العلوم الرياضية كالفلك و الفرائض. كان جهد الشيخ تتويجا لجهود رجال علم و مال سبقوه ، و لذلك فقد نشأ جو علمى أثمر عن تكوين قطاع كبير من الأهالى الواعين  لخطورة التنصير، و أصبحت المؤسسة مقرا للتواصل الفكري و القومي و الإسلامي مع الشعوب الإسلامية ، بل كان لها نشاط في الدعم المالي للدولة العثمانية أيام الحرب العالمية الأولى و جمع التبرعات لمجاهدى ليبيا ضد الإستعمار الإيطالي.  بعد أن استتب المشروع العلمي الذي عمل عليه الشيخ في البحرين. جاءته دعوات لمشروعات مماثلة من أحد أثرياء الشارقة و من الشيخ على بن قاسم آل ثاني حاكم قطر ، فانتقل إلى قطر ليقضى فيها ثلاثة وعشرين عاما بعد أربع سنوات أقامها في البحرين.   كانت قطر أوفر حظا من باقي إمارات  الخليج فى توفر عدد من الكتاتيب التي اجتذبت عددا من أبناء الإمارات المجاورة ، كما كان فيها مدرسة نظامية هى المدرسة الراشدية التي  تُدرس فيها العلوم الإسلامية على طريقة التدريس في المدارس العثمانية، ثم كان الانتقال إلى التعليم النظامي ، فأُنشئت أول مدرسة دينية “المدرسة الأثرية”، استدعى لإدارتها و التعليم فيها شيخنا محمد بن مانع. و أصبحت تعد مدرسة نموذجية اجتذبت طلابا من داخل و خارج قطر بل إن الشيخ على بن محمود الذي أسس مدرسة مماثلة في الشارقة أرسل خمسة و عشرين طالبا ليتعلموا في المدرسة الأثرية و تكفل بنفقاتهم. ولم تكن المدرسة لتعليم المبتدئين القراءة والكتابة، وإنما كانت لتثقيف المتعلمين ، و اكسابهم التخصص العلمي، فكانت أعمار طلابها بين خمسة عشر إلى خمسين عاما. المدرسة تعمل بنظام قريب من نظام الساعات المكتسبة الأمريكية، كما كان فيها حلقات دراسية تشبه ما كان في الأزهر، وكان الطلاب يُكلفون بكتابة بحوث في بعض الموضوعات . ثم يوجه الطلبة للمشاركة في أنشطة الإفتاء والوعظ في الأماكن العامة ، والمشاركة في المناقشات الأدبية. كما وُلى الشيخ القضاء ، فنقل المدرسة إلى دار القضاء ، فكان يقوم بالتدريس من شروق الشمس حتى الساعة الحادية عشرة صباحا ، ثم يسمح للمتقاضين بالدخول و يحضر التلاميذ جلسات القضاء، ثم ينتقل الجميع إلى جلسات الإفتاء، و التلاميذ يسجلون و يتناقشون فما يستشكل عليهم. و قد أقيمت غرف لسكنى بعض الطلاب ، و ساهم تجار قطر في نفقاتهم ، و تكتمل الفائدة بالمكتبة التى أصبحت تضم الكثير من الكتب، كما كان لجهود حاكم قطر في الإنفاق على طباعة أمات الكتب في مصر و لبنان وتوزيعها في أرجاء العالم الاسلامى دورا مهما في إثراء المجتمع الثقافى حول المدرسة الأثرية. و مع الوقت أصبح خريجوها من المرموقين في بلادهم في أنحاء الخليج . و هنا طلب الملك عبدالعزيز من حاكم قطر أن يستغنى عن الشيخ ليسند إليه مجموعة من المهمات في بلده. وعند ذاك رشح الشيخ أحد تلامذة مدرسته ( الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود ) ليحل مكانه في قطر ، و كان من أبناء نجد الذين تعلموا في المدرسة الأثرية  ، فطلب أمير قطر من الملك عبد العزيز إيفاد الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود إلى قطر. وهكذا أصبح  مفتيا لقطر ما يزيد على أربعين عاما  .  في السعودية قام  ابن مانع بالتدريس في المسجد الحرام، و كُلف برئاسة هيئة الأمر بالمعروف والنهي  عن المنكر، و رئاسة هيئة الوعظ والإرشاد ، و رئاسة هيئة تمييز الأحكام الشرعية في مكة ، ثم كلف بالعمل رئيسا لمديرية المعارف ، و كان المسئول الأخير لها قبل تحولها إلى وزارة . التأمل في هذه المهمات التى أُسندت إليه يوضح أنه كان رجل المهام الصعبة الذي يفكر فيه ولى الأمر كلما إحتاج إلى كفاءة استثنائية. خلال وجوده في إدارة المعارف أقيمت كليتان للشريعة في مكة و الرياض و كلية للمعلمين ، وأقيمت إدارات فرعية للتعليم في عدة مدن ، كما زاد عدد المدارس النظامية ، واستقطب الكثير من العلماء المعروفين من مصر للعمل معه ، منهم الشيوخ الشعراوى والغزالي و أبو زهرة ، وكان واسع الأفق فقد قرر مثلا إدخال مادة اللغة الفرنسية إلى منهج مدرسة تحضير  البعثات. و كان مؤازرا بالرأي والفتوى لتعليم البنات.  عاد الشيخ إلى قطر ليعمل مستشارا لأميرها  عبدالله بن قاسم آل ثانى،  وله عدد من المؤلفات و التحقيقات و الشروحات أورد الكاتب عناويين أربعين منها .  رحم الله الشيخ وجزاه خيرا عن أمته.