«ألف ليلة وليلة» ..

ألف جنون وجنون!

قصصٌ عن ملوك وتيجان وعقودِ لؤلؤ وذهب وزمرد وزبرجد وأحجار كريمة ما سمعتُ بها في حياتي! قصصٌ عن أمراء وشباب وغيلان وعفاريت ورجال وملوك وأبناء ملوك وكأن عامّة الشعب لايصلحوا كمادّة  للقصص، فضلًا عن نساء خائنات، الكثير والكثير من النساء الخائنات، نساء خُنٌ الرجال والعفاريت خُنٌ حتى الحجر! كل هذا والسحر جزء أصيل لا يُستأصل من قلب القصص ولبّها، سحر يُحيل الخائنات إلى نعاج ويحيل الرجال إلى صخور ويحيل شعوبًا بأكملها إلى أسماك ذهبية وبيضاء!  ذكّرتني القصص بالسندباد  القديم وحكاياه مع العفاريت والجن، بعض القصص مرعبة بحق وسر رعبها ليس أنها خيال بل العكس أنها واقعية كل الواقعية وقريبة إليك غاية القرب، فالجن والعفاريت موجودون بحق في قلوب الأدغال وتجاويف الكهوف المنسية، وقصة عن شابة حسناء تستجديك كي تصلها بأهلها ثم تُدخلك إلى مغارة بهيمية الظلمة لتجدها اشرأبّت واستطالت وتحولت إلى غولة وقد أتتْ عيالها بالبشرى هذا فتى سمين لذيذ! هي أقل ما بين دفتي هذا الكتاب من فصول الرعب وأول سطر منه فحسب! كل هذا وأنت من حيث لا تدري قد أُلقيت عليك تعويذة ساحرة مختلفة تماما شدتك وجذبتك وألصقتك لصقًا بالكتاب فلن تستطيع منك فكاكًا كيفما وهما حاولت! لفتتْ نظري لغة الكتاب فبرغم أنها مكتوبة بعربية فصحى أخاذة رائعة إلا أنها شديدة السهولة والقرب معًا لا تشذ بك قط عن الحكايا التي تنهمر فوق رأسك كالمطر ولا تأخذ بك لفظة واحدة بعيدًا عنها، بل أن كثيرًا من الكلمات كانت تشبه العامية وما هذا إلا لأنها في حقيقتها فصحى تمامًا ولكنها دارجة في لغتنا العامية بكثرة. لفتَ نظري كذلك ارتباط الشخصيات بعبادة الله الواحد الأحد وذكرها لاسم الله في كل حين وحال، تدعوه عند الكرب وتحمده لدى افتراجه، عامل أكبر أو هو الأكبر على الإطلاق يقرّبك من الشخصيات برغم غرابة أحوالها وبُعد مآلها عنك. كل هذا في إطار قصة واحدة تلف كشال الحاوي الضخم هاته القصص كلها في جعبتها: شهرزاد الحكيمة التي تستبقي حياتها وتدفع موتها دفعًا وتركله ركلًا إلى عتبة الفجر التالي بحكاية إثر حكاية، مما يعطيك تفسيرًا مميزًا حقًا ومنطقيًا لتتابع القصص وكثرتها وعدم ارتباطها، فليست القصة هي التي تهم إطلاقًا ولكن استمراريتها والأهم تشويقها بما يكفي لكي تقنع الملك أن التتمة أهم بكل الأحوال  من رأس جميلة مقطوعة العنق في الصباح!وهكذا تتوالى الليالي كعقدٍ مفروط سريعةً تترا، وتتراكم الأيام لأشهر وتستطيل الأشهر لسنوات وشهريار مفتون فيما يبدو بالحكايات والحكًاءة معًا! وفي رأيي كون هذا الكتاب مجهول المؤلف هو عنصر جذب لا يقاوم لقراءته، حكايات مأخوذة من تراث فارسي وهندي وعربي ممزوجة معًا على لسان حكّاءة واحدة!  تخيل ليس أن الكتاب قديمًا شديد القدم فحسب بل إن أياد كثيرة متعددة الهويات والأنساب والأزمنة قد تناولته صفحة صفحة فألهمها المزيد فزادت وأضافت حتى أتخم الكتاب وترعرع بأعجب ما قد تتفتق عنه ذهن بشرية! غير أن من يقلب بين صفحات الكتاب لا يكاد يتخيله ناتجًا عن أي ذهنٍ غير الذهن العربي الفصيح الأصيل، فالأشعار والقصص والحكايات كلّها مستلهمة من قالب إسلامي عربي، وقد يرجع ذلك لكون أكثر قصص هذا الكتاب أُلّفت إبان العصر الذهبي للإسلام. هذا الكتاب هو فرصة لأن تجد نفسك وقد أقحمت فجأة في تجويف منسي من فجوات التاريخ والزمن! ثغرات لم يحفل بها المؤرخون وتجاهلتها الكتب، لكن أياد هائمة أو حالمة أو مجنونة فيما يبدو ولديها بالتأكيد الكثير من الفراغ وجدت أنه من المهم تدوين بعضها.