في « أغنيات العتمة » لإيمان حميدان ..

الذاكرة بوصفها وطناً بديلاً في السرد النسوي .

تقدم رواية “أغنيات للعتمة” للروائية اللبنانية إيمان حميدان تجربة سردية تتجاوز حدود الرواية العائلية أو السيرة النسوية التقليدية، لتغدو مشروعاً أدبياً لاستعادة التاريخ من منظور الذاكرة الفردية والجمعية. فمن خلال تتبع مصائر أربع نساء ينتمين إلى عائلة واحدة عبر ما يقارب قرناً من الزمن، تنسج حميدان نصاً يتقاطع فيه الشخصي مع التاريخي، والحميمي مع السياسي، لتكشف كيف تُصنع التحولات الكبرى في حياة البشر العاديين، وكيف تترك الحروب والمجاعات والهجرات آثارها العميقة في الأجساد والذاكرة أكثر مما تتركه في كتب التاريخ. لا تنشغل الرواية بإعادة سرد الوقائع الكبرى بقدر اهتمامها بتسجيل أثرها في الحياة اليومية للنساء. ولذلك فإنها تنتمي إلى ذلك التيار السردي العربي الذي أعاد كتابة التاريخ من الهامش، كما في أعمال حنان الشيخ وهدى بركات ورضوى عاشور، غير أن حميدان تمنح هذا المشروع خصوصيته عبر التركيز على الذاكرة النسوية بوصفها أرشيفاً بديلاً للتاريخ الرسمي، ووطناً رمزياً تلجأ إليه الشخصيات عندما يصبح الوطن الجغرافي مهدداً أو مفقوداً. الذاكرة بوصفها وطناً بديلاً منذ الصفحات الأولى تضع الرواية القارئ أمام تجربة اقتلاع مزدوجة: اقتلاع من المكان، واقتلاع من اليقين. فالرواية تبدأ من نيويورك، حيث تعيش أسمهان في المنفى بعد هروبها من بيروت مع ابنتها خوفاً من فقدان حضانتها. غير أن المنفى في الرواية لا يُقدَّم باعتباره انتقالاً جغرافياً فحسب، بل بوصفه حالة وجودية تتجلى في شعور دائم بالانقطاع عن الماضي. في مواجهة هذا الانقطاع، تتحول الذاكرة إلى وطن بديل. فالكتابة التي تمارسها أسمهان ليست مجرد استعادة للذكريات، بل محاولة لإعادة بناء البيت المفقود داخل اللغة. وكلما ابتعدت الشخصية عن الوطن، ازدادت حاجتها إلى إعادة تشييده عبر الحكاية. ومن هنا تصبح الرواية بأكملها عملاً لإعادة امتلاك المكان من خلال التذكر، وكأن الذاكرة هي آخر ما يمكن أن تنجو به الشخصيات من الخراب. بنية سردية قائمة على التذكر والتشظي تعتمد حميدان على بنية سردية تتأسس على التداعي الحر للذاكرة أكثر من اعتمادها على التسلسل الزمني التقليدي. فالرسالة التي تكتبها أسمهان إلى صديقتها ويدا تشكل الإطار العام للرواية، لكنها سرعان ما تتحول إلى فضاء تتداخل فيه الأزمنة والأمكنة والأصوات. ولا يأتي الانتقال بين الماضي والحاضر بصورة اعتباطية، بل وفق منطق الذاكرة نفسها؛ فصورة عابرة أو تفصيل صغير قادر على استدعاء عقود كاملة من التاريخ الشخصي والعائلي. وبهذا يصبح الزمن النفسي للشخصيات أكثر أهمية من الزمن التاريخي الخطي، وهو ما يمنح الرواية طابعاً تأملياً يقترب من أدب السيرة والاعتراف بقدر اقترابه من الرواية التاريخية. كما تؤدي الرسالة وظيفة فنية مزدوجة؛ فهي من جهة اعتراف شخصي تحاول أسمهان من خلاله فهم حياتها، ومن جهة أخرى أداة أرشفة تحفظ تاريخ النساء اللواتي سبقنها. وبهذا يتحول فعل الكتابة إلى عملية مقاومة للنسيان أكثر منه مجرد وسيلة للسرد. المكان بين الجغرافيا والذاكرة في “أغنيات للعتمة” لا يؤدي المكان وظيفة الخلفية المحايدة للأحداث، بل يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات. فالقرية اللبنانية، وبيروت، ونيويورك، ليست فضاءات منفصلة بقدر ما هي طبقات متراكبة داخل الذاكرة. تظهر بيروت بوصفها مدينة جريحة تحمل آثار الحرب والانكسار، فيما تمثل القرية ذاكرة البدايات الأولى بكل ما فيها من دفء وقسوة في آن واحد. أما نيويورك فتوفر إمكانية النجاة الجسدية، لكنها تعجز عن تعويض الفقد الروحي. لذلك لا تتوقف الشخصيات عن العودة إلى الأمكنة المفقودة عبر التذكر، وكأن الوطن الحقيقي لم يعد موجوداً إلا في الذاكرة. الغناء بوصفه شكلاً من أشكال النجاة من أبرز الجوانب الفنية في الرواية توظيف الأغاني الشعبية بوصفها عنصراً بنائياً لا زخرفياً. فالغناء عند شهيرة لا يؤدي وظيفة الترفيه أو المحافظة على التراث فقط، بل يتحول إلى وسيلة لمقاومة القهر والخوف والجوع. إن الأغنيات التي ترددها في مواسم الحصاد والأعراس وحتى في لحظات الفقد تمنحها القدرة على الاستمرار. ومن هنا يكتسب عنوان الرواية دلالته الرمزية العميقة؛ فالأغنيات لا تطرد العتمة، لكنها تجعل احتمال العيش داخلها ممكناً. وتنجح حميدان في تحويل الغناء من عنصر فولكلوري إلى خطاب وجودي يحفظ الذاكرة ويضمن استمرار الصوت النسوي عبر الأجيال. الخوف العابر للأجيال إلى جانب الذاكرة، يشكل الخوف أحد الخيوط الخفية التي تربط شخصيات الرواية ببعضها البعض. فشهيرة تعيش هاجس عودة المجاعة، وتبقى أسيرة ذاكرة الجراد والجوع حتى آخر حياتها. أما ليلى فتعيش خوفاً دائماً من العنف والقهر وفقدان السيطرة على مصيرها. بينما تخشى أسمهان فقدان ابنتها وضياع ما تبقى لها من جذور. لا يظهر الخوف هنا بوصفه تجربة فردية عابرة، بل كإرث ينتقل بين النساء جيلاً بعد جيل. وكما تتوارث الشخصيات الحكايات والذكريات، فإنها تتوارث أيضاً أشكالاً مختلفة من القلق والتهديد. ولهذا تبدو الرواية في أحد مستوياتها العميقة تأريخاً للخوف النسوي في مجتمع مضطرب أكثر مما هي مجرد تأريخ للأحداث. ياسمين وليلى: الجسد الأنثوي بين الحلم والقهر تمثل ياسمين نموذجاً لجيل من النساء اللواتي حُرمن من تحقيق أحلامهن بسبب شروط اجتماعية قاسية. فحلمها البسيط بحياة مختلفة ينتهي مبكراً مع زواجها ووفاتها بعد الولادة. أما ليلى فتعد من أكثر شخصيات الرواية تركيباً وتعقيداً. فهي تحاول بناء مصيرها الخاص من خلال الحب والمعرفة، لكن خياراتها تصطدم باستمرار بسلطة المجتمع والأسرة والزواج. غير أن الرواية لا تجعل من ليلى مجرد ضحية. فالكتابة تصبح بالنسبة إليها وسيلة للحفاظ على ذاتها في مواجهة العنف، وتتحول الأوراق والدفاتر إلى مساحة حرية بديلة عندما تضيق بها الحياة. وهنا تتجلى إحدى الأفكار المركزية في الرواية: أن السرد نفسه يمكن أن يكون شكلاً من أشكال المقاومة. الرجل في الرواية: نقد البنية لا إدانة الفرد قد يبدو الرجال في الرواية سبباً مباشراً في كثير من معاناة الشخصيات النسائية، غير أن النص يتجاوز الإدانة الأخلاقية المباشرة إلى مساءلة البنية الاجتماعية والثقافية التي تنتج هذه العلاقات المختلة. فالزوج المتسلط والأب الغائب والعاشق المتردد ليسوا شخوصاً منفصلين عن سياقهم الاجتماعي، بل نتاج منظومة أوسع تحدد الأدوار والعلاقات بين الجنسين. وحتى يوسف، الذي يبدو أكثر الشخصيات الذكورية اقتراباً من الخطاب التقدمي، يكشف عن تناقض بين أفكاره وممارساته، ما يجعل الرواية تطرح سؤالاً نقدياً حول حدود الخطابات التحررية عندما تواجه الواقع اليومي. لغة الرواية: شعرية التفاصيل اليومية إلى جانب بنائها السردي المتماسك، تتميز الرواية بلغة تجمع بين البساطة والتكثيف. لا تعتمد حميدان على البلاغة الزخرفية أو الخطابة المباشرة، بل تترك التفاصيل الصغيرة تحمل العبء العاطفي للنص. وتظهر النزعة الشعرية خصوصاً في المقاطع المرتبطة بالذاكرة والغناء والفقد، حيث تتداخل اللغة السردية مع الإيقاع التأملي دون أن تفقد وضوحها. وتكمن قوة هذه اللغة في قدرتها على التعبير عن الألم عبر الإيحاء لا عبر المبالغة، ما يمنح الرواية صدقها الإنساني وعمقها العاطفي. الذاكرة المضادة وتاريخ الظلال لعل أهم ما تحققه “أغنيات للعتمة” هو تقديم تاريخ بديل للأحداث الكبرى. فالحرب العالمية الأولى والانتداب الفرنسي والنكبة الفلسطينية والحرب الأهلية اللبنانية لا تُروى من خلال الوثائق والخطابات السياسية، بل من خلال آثارها على تفاصيل الحياة اليومية. إن التاريخ في هذه الرواية يُقاس بعدد الأرغفة المفقودة، والرسائل التي لم تصل، والكتب التي أُخفيت، والأحلام التي أُجهضت. ومن خلال هذا المنظور تنجح حميدان في بناء ما يمكن تسميته “تاريخ الظلال”، أي التاريخ الذي لا تكتبه المؤسسات الرسمية بل تحفظه الذاكرة الإنسانية. لا تقدم “أغنيات للعتمة” حلولاً أو نهايات مريحة، لكنها تمنح شخصياتها شكلاً من أشكال الانتصار الرمزي عبر التذكر والكتابة والغناء. ففي عالم تتكرر فيه الخسارات والحروب والاقتلاعات، تصبح الذاكرة ملاذاً أخيراً، ويغدو السرد وسيلة لإعادة بناء ما تهدم. تكشف الرواية عن قدرة الأدب على حفظ ما يتساقط من التاريخ الرسمي، وعن قدرة النساء على تحويل الألم إلى حكاية، والخوف إلى ذاكرة، والغياب إلى حضور. ومن خلال هذا المزج بين الخاص والعام، وبين الذاتي والجمعي، تواصل إيمان حميدان مشروعها السردي القائم على استكشاف العلاقة المعقدة بين الذاكرة والتاريخ، مؤكدة أن الكتابة قد تكون أحياناً الوطن الأخير الممكن. * سوريا