في تاريخ الأدب لحظات نادرة يخرج فيها نص قديم من عزلته الزمنية ليعود إلى النقاش من جديد، كأنه كُتب للتو. يحدث ذلك حين يعثر قارئ معاصر على زاوية مختلفة للنظر إليه، فيحرره من طبقات الشرح المدرسي والتقديس الثقافي التي تراكمت فوقه. هذا ما جاء عليه مشروع البروفسور حبيب عبدالرب سروري، الذي يتعامل مع التراث بوصفه مادة فكرية حيّة قابلة لإعادة الاكتشاف. في كتابه الصادر عن دار المحيط للنشر «كوميديا الغفران من المعري إلى دانتي» تتجلى هذه الرغبة في إعادة فتح نصوص قديمة على أسئلة حديثة تمثل أسئلة العقل، الحرية، وموقع الأدب في مساءلة المسلّمات سروري ليس ناقدًا أدبيًا تقليديًا، ولا باحثًا في التراث بالمعنى الأكاديمي الصارم. فهو في الأصل بروفيسور في علوم كمبيوتر، وروائي في الوقت نفسه. هذا التكوين المزدوج يترك أثره الواضح في طريقته في قراءة النصوص. حين يقترب من عمل تراثي يقرأه كبنية فكرية يمكن تفكيكها، وكمنظومة أفكار قابلة لإعادة التركيب. لهذا قد تبدو قراءته أقرب إلى ما يشبه تحليل بنية كيف يتشكل النص؟ كيف تُبنى عوالمه؟ وكيف تعبّر لغته عن تصور معين للعدالة أو للمعرفة أو للمصير. جاء هذا في كتابه «كوميديا الغفران»، حيث يضع «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعرّي إلى جوار «الكوميديا الإلهية» لدانتي. الفارق الزمني بين النصين يقارب ثلاثة قرون؛ فقد كتب المعرّي رسالته في القرن الحادي عشر الميلادي، بينما ظهرت «الكوميديا الإلهية» في بدايات القرن الرابع عشر. ومع ذلك، فإن العملين يشتركان في سردية مدهشة وهي رحلة في العالم الآخر، يلتقي خلالها الكاتب بشخصيات من التاريخ والأدب والدين، ويعيد عبرها طرح أسئلة العدالة والغفران. هذه الفكرة لم تكن خالية من القلق في سياقها الثقافي. فدانتي حين كتب «الكوميديا الإلهية» كان يؤلف نصًا جريئًا يضع شخصيات سياسية ودينية معاصرة له في طبقات الجحيم أو المطهر، وقد أثار ذلك نقاشًا واسعًا في زمانه، لأنه جعل الأدب يتدخل في إعادة توزيع الحكم الأخلاقي. أما «رسالة الغفران» للمعرّي فقد بدت بدورها نصًا استثنائيًا في الثقافة العربية، لما تحمله من سخرية فكرية ولعبة أدبية، إذ يبني فيها فضاءً تخييليًا يسمح له بمحاورة الشعراء واللغويين والفقهاء في عالم يتجاوز حدود الحياة اليومية. يلفت سروري هنا إلى مفارقة لافتة؛ فبينما بقيت «الكوميديا الإلهية» نصًا حيًا عبر الترجمة والتبسيط، ظلّت «رسالة الغفران» حبيسة الإعجاب النظري، لا تُقرأ إلا في دوائر ضيقة بسبب صعوبة لغتها وغياب تحديثها اختياره للمعرّي ليس مصادفة. فهو يرى فيه نموذجًا لتقليد عقلاني ظل حاضرًا في الثقافة العربية، وإن بقي في كثير من الأحيان مهمشًا أو محاطًا بسوء الفهم. هذا ما يظهر أيضًا في كتابه الآخر «لا إمام إلا العقل»، حيث يعود إلى الفكرة نفسها وهي العقل بوصفه مرجعًا أعلى في التفكير، ويمتد هذا إلى سؤال فكري أوسع يتعلق بموقع العقل في الثقافة العربية الحديثة. ولا يقف هذا المسار عند سروري وحده. فثمة تقليد عربي في قراءة التراث بطريقة أدبية وتأملية، يتجاوز حدود التحقيق الأكاديمي. يمكن أن نجد ملامح منه عند مفكرين وكتّاب مثل عبد الفتاح كيليطو، الذي تعامل مع النصوص التراثية كعوالم سردية مفتوحة، بعيدا عن كونها مجرد شواهد لغوية. في كتاباته عن المقامات أو عن «ألف ليلة وليلة» كان كيليطو يعيد اكتشاف النص القديم من زاوية قارئ معاصر، مستفيدًا من أدوات النقد الحديث دون أن يفقد حسّ الحكاية. وعلى نحو مختلف، فعل أدونيس شيئًا قريبًا حين قرأ التراث الشعري بوصفه تاريخًا لصراع الأفكار. ما يجمع هذه المحاولات هو الرغبة في تحرير النص التراثي من القراءة الجامدة. وقد يكون النص القديم يعيش لأنه جزء قادر على الدخول في حوار جديد مع الحاضر. وهذا ما يفعله حبيب حين يضع المعرّي في مواجهة دانتي. تهدف المقارنة إلى فتح حوار بين تقليدين ثقافيين حول السؤال نفسه: كيف يتخيل الإنسان العدالة في العالم الآخر؟ يقف في كتابه قارئًا يفتح ممرًا خفيًا بين رسالة كُتبت في القرن الحادي عشر وقصيدة ظهرت بعد ثلاثة قرون. وبين هذين النصين البعيدين زمنيًا، يذكّر بأن الخيال الأدبي ظلّ عبر العصور إحدى أكثر وسائل الإنسان أهمية للتفكير في العدالة والمعنى والمصير. وبهذا لا يعود التراث مجرد أثر من الماضي، لأنه نصًا ينتظر قارئًا جديدًا يعيد إضاءته، ويكشف فيه ما لم يكن مرئيًا من قبل.