« الخط المسند الأحسائي « ورموز أخرى ..

تجليات حضارات الساحل الغربي للخليج العربي القديم في الهويات البصرية المعاصرة .

تُعد الهوية البصرية أداة اتصالية تتجاوز الأبعاد الجمالية والتسويقية، لتتحول في كثير من الأحيان إلى وثيقة ثقافية تعكس التراكم التاريخي للمجتمعات. وفي منطقة الساحل الغربي للخليج العربي، يشهد الفضاء التصميمي المعاصر اتجاهاً واعياً ومدروساً نحو استدعاء الرموز الأثرية المنتمية إلى حضاراته ومراكزه الحضارية القديمة، مثل: دلمون، وماجان، وأم النار، وهيلي، والجرهاء، وثاج، وساروق الحديد وغيرها الكثير وانطلاقاً من أهمية ربط المعرفة التاريخية بالتطبيقات الحديثة، ولدت فكرة هذا المقال من نشاط علمي تطبيقي قمت بتصميمه وتوجيهه للطالبات أثناء تدريسي هذا الفصل الدراسي لمقرر «تاريخ الخليج العربي القديم». فقد كان الهدف من هذا النشاط هو تحفيز الطالبات على البحث والاستكشاف، وتدريبهن على قراءة الفضاء البصري المحيط بهن بعين المؤرخ؛ وذلك من خلال رصد وتحليل الرموز الأثرية وتتبع جذورها التاريخية في الشعارات والميادين والمؤسسات المعاصرة. وبناءً على نتائج هذا النشاط والتفاعل العلمي المثمر مع الطالبات. يستعرض هذا المقال نماذج منتخبة، موضحاً كيف تحول الرمز الأثري إلى عنصر حي يمنح الحاضر عمقاً وتأصيلاً راسخاً. تبدأ هذه الرحلة البصرية من مملكة البحرين، حيث تبرز الرموز الدلمونية كشاهد على تنظيم التجارة ومفهوم الوفرة منذ الألف الثالث قبل الميلاد. فقد تركت حضارة دلمون، التي كانت مركزاً اقتصادياً يربط العديد من حضارات العالم القديم كالعراق القديم بوادي السند، إرثاً ضخماً من الأختام الدائرية المعروفة باسم الأختام الدلمونية والتي كانت تُستخدم كأدوات قانونية وتجارية لتوثيق البضائع وإثبات الملكية. ففي شركة البحرين للاتصالات السلكية واللاسلكية حين يمسك المستخدم بطاقة شحن «بتلكو» من فئة كل من ثلاثة وخمسة دنانير بحرينية، قد يرى في الأختام الدلمونية المنقوشة عليها مجرد لفتة جمالية لتكريم التراث البحريني، لكن التدقيق في جوهر التاريخ يكشف عن رابط فلسفي ووظيفي عميق يجمع بين أقدم وسائل التوثيق البشري وأحدث تكنولوجيا الاتصالات الرقمية، حيث يتجاوز هذا التناغم البصري حدود الزينة ليتحول إلى سردية متصلة تروي قصة الإنسان على أرض دلمون عبر آلاف السنين. ففي العصور القديمة، كان الختم الدلموني يُمثّل الصلاحية الرسمية والضمان الموثوق، إذ كان التاجر يضعه على الطين أو البضائع ليمنحها قيمة تجارية معترفاً بها وصك ملكية في أسواق العالم القديم، واليوم تؤدي بطاقة تعبئة الرصيد الوظيفة ذاتها تماماً، فهي وثيقة مالية رقمية مسبقة الدفع تمنح حاملها صلاحية فورية للولوج إلى شبكة الاتصالات العالمية بمجرد تفعيل شفراتها المخفية. هذا الامتداد الوظيفي ينقلنا مباشرة إلى تطور مفهوم التواصل نفسه، فبينما كانت تلك الأختام الطينية أداة دلمون الأولى للتواصل وتبادل الهوية مع الحضارات المجاورة في بلاد العراق القديم ووادي السند، حيث كانت تُرسل كبصمة أمان وتوقيع يضمن سلامة الرسائل المنقولة عبر البحار، تسلمت شركة «بتلكو» في العصر الحالي هذه الراية التاريخية لتكون شريان الاتصال الحديث الذي يربط المملكة بالعالم الخارجي محولةً بصمة الطين القديمة إلى ذبذبات ونبضات إلكترونية سريعة تختصر المسافات في أجزاء من الثانية. لذا فإن دمج الأختام الدلمونية في تصاميم بطاقات بتلكو الحديثة تجسيد للمفهوم الإنساني الأزلي المتمثل في الحاجة الفطرية إلى الاتصال والتوثيق وحفظ الحقوق، لتنجح هذه التوليفة الذكية في صهر أصالة الماضي التجاري للبحرين مع ثورة الاتصالات الرقمية. وتؤكد أن البصمة البحرينية كانت وما زالت رمزاً للتواصل البشري الممتد الذي لا ينقطع عبر الأزمان. ولا يتوقف هذا الامتداد الدلموني عند هذا فحسب، بل يمتد بقوة إلى القطاع المصرفي، حيث برز رأس الثور الدلموني كشعار وهوية بصرية لأحد البنوك البحرينية الكبرى مثل شركة البحرين المالية، والذي يستند إلى إرث قديم مستوحى من تمثال شهير لرأس الثور الدلموني النحاسي المكتشف عام 1954م في طبقة المعبد الثاني من مجمع «معابد باربار»، والذي يعود تاريخه إلى عام 2500 قبل الميلاد ، ويكمن سر اختياره في خصائصه المتفوقة خلال تلك الفترة الزمنية حيث كان الثور في المنظور الأنثروبولوجي والتاريخي للحضارات القديمة رمزاً مقدساً يشير إلى القوة، والخصوبة، والنماء، والوفرة الاقتصادية ومن ثم استمرارية الوجود لارتباطه بالمعبودات القديمة الموكلة بالماء والخير. ومن هنا، فإن إعادة إنتاج صورة الثور الدلموني في شعار مؤسسة مالية معاصرة يعد إسقاطاً ذكياً يربط بين معاني الملاءة المالية والاستقرار التي تنشدها البنوك، وبين رمزية الوفرة والازدهار التي عاشتها دلمون قديماً. وبالانتقال شرقاً نحو سلطنة عُمان، يتجلى بعد تاريخي آخر يرتبط بالصناعة والسيادة الاقتصادية القديمة في الهوية البصرية للمتحف الوطني العُماني. ألا وهو استخدام اللون النحاسي اللامع كعنصر بصري مهيمن ومقصود. بهدف محاكاة تاريخ العماني قديماُ في توظيف النحاس ليكون إحياء صريح ومباشر لإرث «حضارة ماجان» (اسم عُمان القديم في النصوص المسمارية)، والتي عُرفت تاريخياً بـ «أرض النحاس». فلقد كانت جبال عمان قديماً مصدراً رئيساً لاستخراج وتعدين أنقى أنواع النحاس وصهرها في أفران متطورة، وتصديرها عبر الخليج إلى بلاد السند والعراق القديم وبقية حضارات الشرق الأدنى القديم. لذا فإن توظيف اللون النحاسي في واجهات وشعارات الصروح المتحفية العُمانية يمثل فصلاً عبقرياً في كتابة الهوية البصرية، حيث يربط زائر اليوم بهوية الأرض الإنتاجية، ويؤكد أن عُمان كانت شرياناً صناعياً يمد العالم القديم بأساسيات الحضارة والتقدم المادي. وبربط مشهد التواصل الحضاري القديم بالمنجزات العالمية الحديثة، نجد التجربة الملهمة لدولة الإمارات العربية المتحدة في تصميم شعار «إكسبو 2020 دبي». إذ استمد هذا الشعار العالمي هويته البصرية بالكامل من قطعة أثرية فريدة تم اكتشافها في موقع «ساروق الحديد» الأثري بقلب صحراء دبي، وهي عبارة عن حلقة ذهبية نادرة مصنوعة من خيوط ودوائر متشابكة تعود إلى العصر الحديدي. فالقطعة المستخرجة من ساروق الحديد أثبتت علمياً أن المنطقة كانت مركزاً متقدماً للصناعة والتواصل مع حضارات دلمون ومصر القديمة والعراق القديم. ومن ثمّ، جاء الشعار ليرسل رسالة للعالم بأن دبي التي جمعت شعوب الأرض في إكسبو تحت شعار «تواصل العقول وصنع المستقبل»، هي ذات الجغرافيا التي كانت تجمع حضارات العالم القديم وتتواصل معها منذ آلاف السنين. وبالانتقال إلى واحة الأحساء في المملكة العربية السعودية، نجد نموذجاً متميزاً لإحياء التراث اللغوي في الفضاء الحضري العام. فقد استخدم سكان شرق الجزيرة العربية قديماً خطاً عربياً يُعرف بـ «الخط المسند الحسائي» كونه تميز بخصائص لغوية تفرقه عن نقوش خط المسند في جنوب الجزيرة العربية، وكذلك النقوش العربية الشمالية. احتفظت بها لهجات شرق الجزيرة العربية، وعندما تم تصميم «ميدان الأحساء» فقد زين بنقوش مجسمة وضخمة من هذا الخط، لإبراز حروف هذا الخط ووضعها في الفضاء التفاعلي اليومي أمام أعين المارة. مما يعزز ارتباط المجتمع المعاصر بهويته اللغوية الأولى، ويؤكد دور المنطقة التاريخي كمنبع للوعي والتدوين في الفترة المؤرخة بين 500 -100 عام قبل الميلاد في ضوء النقوش المدونة بهذا الخط. وفي ذات السياق الجغرافي، يقدم شعار «جمعية الآثار والتراث بالمنطقة الشرقية» نموذجاً دقيقاً يدمج بين المادة والفكر من خلال عنصرين تاريخيين مهمين من أصل ثلاثة. العنصر الأول هو «قناع ثاج الذهبي»، وهو القناع الجنائزي الأثري الشهير الذي يعود إلى القرن الأول الميلادي، ويشير هذا القناع المتقن بصياغته إلى كل من التواصل الحضاري مع الحضارة الإغريقية والثراء الاقتصادي المتقدم والمهارة الفنية العالية لثاج الواقعة في شرق الجزيرة العربية والتي لعبت دورها الحيوي في حركة التجارة الدولية آنذاك. أما العنصر الثاني فهو «الخط المسند الحسائي» الذي يؤطر الشعار بأبجديته القديمة، ليعبر عن الجانب الثقافي والمعرفي والتوثيقي للمنطقة. وبالتالي فقد نجح الشعار من خلال دمج القناع والحروف في هوية بصرية واحدة في تقديم صورة متكاملة لإرث المنطقة الشرقية؛ فالقناع يمثل الآثار المادية الثمينة، بينما يمثل الخط الفكر واللغة، وهو اختيار يناسب جمعية متخصصة في التراث والآثار. وعلى الصعيد الثقافي الدولي، يتجسد الربط بين التاريخ والهوية البصرية في دولة قطر من خلال المؤسسة العامة للحي الثقافي (كتارا). فكلمة (Catara) هي أول وأقدم مسمى جغرافي – معروف حتى الآن- استخدم للإشارة إلى شبه جزيرة قطر في الخرائط الجغرافية والتاريخية منذ عام 150 ميلادي حيث ظهر هذا الاسم للمرة الأولى في خرائط العالم الشهير «كلوديوس بطليموس» في القرن الثاني الميلادي. ولذا فإن استخدام هذا الاسم اللاتيني القديم وصياغته في هوية بصرية معاصرة للحي الثقافي، يهدف إلى التركيز على فكرة ارتباط الإنسان بجذوره الحالية وإرسال رسالة ثقافية واضحة تفيد بأن دولة قطر تملك عمقاً جغرافياً موثقاً في الخرائط الدولية القديمة، وأن هذا الصرح المعاصر هو امتداد لدورها القديم كملتقى للطرق وللحضارات الإنسانية. وتكتمل هذه اللوحة البصرية الخليجية بالوصول إلى دولة الكويت، حيث تظهر العملة الوطنية من فئة الدينار الكويتي كأبرز الشواهد البصرية على التواصل الحضاري. فالناظر في تفاصيل هذه الفئة من العملة الورقية يلاحظ وجود رسم للعمود الإغريقي ذي الطراز الأيوني. يعود أصل هذا العنصر المعماري التاريخي إلى المكتشفات الأثرية في جزيرة فيلكا الكويتية، والتي شهدت حضوراً هيلينستياً بارزاً في عهد الإسكندر المقدوني وخلفائه، حيث أسسوا فيها مستوطنة يونانية وأطلقوا على الجزيرة اسم «إيكاروس». وهكذا فإن وضع هذا العمود الإغريقي على العملة الوطنية يمثل دليلاً بصرياً قوياً يرمز إلى الامتداد التاريخي لدولة الكويت ويثبت أنها كانت حلقة وصل رئيسية بين حضارات العالم القديم منذ عصور موغلة في القدم، مما يمنح الاقتصاد الوطني المعاصر بعداً تاريخياً عالمياً. وفي الختام، يتبين مما سبق أن منطقة الساحل الغربي للخليج العربي بفضل موقعها المميز شهدت ازدهار اقتصادي فريد من نوعه أسهم في نشوء العديد من الحضارات والمراكز الحضارية التي كانت على اتصال مباشر مع حضارات الشرق الأدنى القديم منذ أقدم العصور، وهو ما عكسته تلك الهويات البصرية المنتخبة النابعة من جهد مؤسسي واعي يهدف إلى تأصيل الحداثة وحفظ الذاكرة التاريخية للمنطقة. ومنحها تميزاً ثقافياً فريداً في عالم معاصر يتجه نحو العولمة البصرية، كما يؤكد للجميع أن المنطقة تقف على أرضية حضارية راسخة وموغلة في القدم. *أستاذة التاريخ القديم المساعد جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل