في كتابها المهم ( المرأة الدينية المرأة النسوية) الصادر عن دار الرافدين / بغداد 2024 لم تستخدم الناقدة د.موج يوسف المصطلحات النقدية الجافة وهي تدخلنا من خلال السرد إلى مشروعها النقدي بكل حداثويته ،بل حوّلت لنا الفضاء اللامتناهي إلى شاشة عرض كبيرة فتؤشّر بعصاها الألكترونية لتنبثق على الشاشة شهرزاداتُها كلُّ واحدةٍ تحمل غلالها من النساء بشوكهنّ وحنضلهنّ وتفاحهنّ ، نساءٌ يبحثن عن الهوية المفقودة ، الشهرزاداتُ هنا روائياتٌ حكّاءاتٌ وساردات . يكتبن بمداد ما تقرّح من جراحِ المسكوت عنه ، يرفعن الشريط اللاصق الذي كُمِّمتْ به فُوّهاتُ أقلامهنّ في أزمنةٍ لم يكن لهنّ الحقُّ والشجاعةُ في تناول ذلك المسكوت عنه (مجتمعيا) ومن خلال نصّ سرديّ . جمعتهنّ الناقدة (الصارمة) والتي قامت بتشريح تلك الطعنات وميّزتْ بدقة بين طعنةٍ وطعنة (نصٍّ ونصّ) غارتْ أسباره ونقدتْ جودته وقدرته على التأثير ، ورجعت إلى الجذور الدينية والمعرفية والمجتمعية لكل شخصية تناولتها الروايات . قدّم لهذا الجهد النقديّ الدكتور عبدالله الغذامي متحدثاً عن (الصورة المختزلة للمرأة في الذاكرة الاجتماعية ومن ثم النص الأدبي الذي يصبح نصاً اجتماعيا بما أن المرأة فيه ليست ابتكاراً فردياً وإنما هي صورة مختزلة من الذاكرة الاجتماعية) كما أن الناقدة أرجعتنا إلى أصل الحكايةِ وجذرها ، وامتلكت أدواتِها من دون أن تُغرق القارئ بمصطلحاتٍ تزيدُ التيه ظُلمة . لم تخلُ النصوص المقتبسةُ للبحث من مشاهد عنف (عرّضتني شخصياً للأذى النفسي) لذلك قرأتُ الكتاب بشكلٍ متقطّع يعيدني إليه الشغف في كل مرةٍ أغادره ، إنه مزيجٌ من الحلاوةِ والمرارةِ معاً ، يفتح الأبواب المغلقة ويُشعلُ الضوءَ في الأقبيةِ المظلمة تماماً مثلما يبحثُ محققٌ في الجرائم ، يبحثُ في أسباب الجريمة ولا يحاكم الجاني ، فبدلاً من إلقاءِ اللوم والتجريم بحق العنف الذي يقع على النساء من الدائرة المجتمعية الذكورية التي تحيط بهنّ تذهب الباحثةُ باتجاه إيجاد الأسباب النفسية والضغوطات السياسية والأجتماعية التي أدت إلى ذلك ، فالرجل (الجاني) وفي معظم المفاصل البحثية كان هو أيضا مجنياً عليه بصورةٍ أو بأخرى جرّاء الحروب وما أسقطته من أذى توغّل في مفاصل المجتمع وتحت جلده . وإن كانت عنونة الكتاب ب(المرأة الدينية…) لكن البحث عن تلك المرأة لم يكن إلّا من خلال الرجل غائباً أم حاضراً ، أبويّاً أم جانياً. تعددت مباحث الكتاب وفصوله وقد انقسم إلى بابين، الأول رؤية الكاتبات للمرأة والمجتمع ، قسّمته الناقدة إلى فصولٍ ثلاثة ، الأول : العنف الاجتماعي متحرك ضد سكونها . الثاني : تاريخ الحروب كما تقصّه الكاتبات . الثالث: ايدولوجيا تخنق النص ورؤية عالم مغلقة . أما الباب الثاني : رؤية الكتّاب لشخصية المرأة في الرواية ، فبدوره أيضاً قُسِّم إلى ثلاثة فصول ، الأول : شخصية المرأة بين المركز والهامش . الثاني : جسد المرأة بين الانهيار الفني وغريزة المتلقي . والثالث : زعامة المرأة في الحياة والحلول . إن الكتاب يحمل بين طياته جهداً نقدياً ومعرفياً وبحثياً واضحاً يدخلنا إلى عوالم سردية متنوعة تحمل كشفاً لمضمرات الخطاب السردي في ضوء علم اجتماع الأدب . *شاعرة عراقية