السعودية ..

لا سيادةَ بلا قرار

مع كل أزمةٍ تعصف بالشرق الأوسط، يعود السؤال نفسه، من يملك قراره، و من يكتفي بالتكيّف مع قرارات الآخرين؟ في العلاقات الدولية، لا تُقاس مكانة الدول بحجم جيوشها وحده، و لا بعدد حلفائها، و لا بعلو أصواتها، بل بقدرتها على الاحتفاظ بحقها السيادي في تعريف مصالحها، و تحديد خصومها، و اختيار توقيت الحرب، كما تختار توقيت السلام، ذلك هو الامتحان الحقيقي للدول. فليست قوة الدولة في أن تختار الحرب دائماً، و لا في أن تختار السلام دائماً، بل في أن يبقى الخياران ملكاً لها، فحين تعجز دولةٌ عن تحديد خصمها، أو توقيت معركتها، أو شروط سلامها، تكون قد فقدت أول معاني السيادة، مهما امتلكت من القوة، و مهما أحاطت بها التحالفات. من هذا المنطلق، يمكن قراءة السياسة السعودية خلال العقود الماضية، فالثابت فيها لم يكن اسم الخصم، و لا تبدل التحالفات، بل استقلالية القرار، و تغليب المصلحة الوطنية، و حماية استقرار الإقليم باعتباره امتداداً طبيعياً لأمن المملكة. وحين تمدد المشروع الإيراني خارج حدوده الوطنية، لم تنظر إليه الرياض بوصفه خلافاً سياسياً تقليدياً، بل باعتباره مشروعاً إقليمياً يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوة عبر الميليشيات، و النفوذ الموازي للدولة، و استثمار الانقسامات داخل عددٍ من الدول العربية. لهذا، جاءت المواجهة السعودية مبكرة، و واضحة، و مرتفعة الكلفة، لم تكن سعياً وراء نفوذ، و لا بحثاً عن زعامة، بل دفاعاً عن الدولة الوطنية، و عن استقرار الخليج، و عن التوازن العربي، و عن رفض أن تتحول العواصم العربية إلى ساحاتٍ تتقاسمها المشاريع الإقليمية. في البحرين، و في اليمن، و في مختلف الملفات الإقليمية، تحركت المملكة وفق هذا الفهم، لأنه لم يكن موقفاً ظرفياً، بل خياراً استراتيجياً، و لذلك تحملت العبء الأكبر في تلك المرحلة، إدراكاً منها أن تأجيل مواجهة المخاطر لا يلغيها، بل يضاعف كلفتها. ثم تبدلت الظروف، و تغيرت الحسابات، فجاء اتفاق بكين ليؤكد أن المملكة لا تؤسس سياساتها على الخصومات الدائمة، و لا تجعل الصراع غايةً في ذاته، فالدولة الواثقة لا تتردد في الانتقال من المواجهة إلى التهدئة متى رأت أن المصلحة العليا تقتضي ذلك، لأن السياسة ليست إدارةً للعداوات، بل إدارةٌ للمصالح. و لم يكن ذلك تحولاً في المبادئ، بل امتداداً للمنهج نفسه، فالتحالفات، و الشراكات، و أدوات تنفيذ السياسة، قد تتغير بتغير الظروف، لكنها تبقى وسائل، لا مصادر للقرار، أما القرار السعودي، فقد ظل يُصاغ وفق تقدير المملكة لمصالحها الوطنية، لا وفق إيقاع الضغوط، و لا وفق رغبات العواصم الأخرى، و لهذا بقيت الرياض هي التي تحدد من تعادي، و متى تواجه، و متى تفاوض، و على أي أساسٍ تصنع السلام. و اليوم، تقف المنطقة أمام مرحلةٍ جديدة، لا لأن أسماء اللاعبين تغيرت فحسب، بل لأن بعض الرؤى باتت تتعامل مع الحرب باعتبارها وسيلةً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، لا لمعالجة أزماته، و هنا يبرز السؤال الحقيقي، هل يتحقق الاستقرار باستبدال مشروعٍ إقليمي بآخر، أم بإنهاء منطق الصراعات الذي استنزف المنطقة لعقود؟ هنا يتضح جوهر الموقف السعودي، فالمملكة لم تنظر إلى التطورات الأخيرة بمنطق الاصطفاف، بل بمنطق الدولة، و رغم أن التوترات العسكرية تجاوزت ساحات القتال، و فرضت تحدياتٍ أمنية مباشرة على المنطقة، بقي القرار السعودي ثابتاً، لأن الانفعال لا يصنع استراتيجية، و لأن أمن الدول لا يُدار تحت ضغط اللحظة. إن التجربة السعودية، في مواجهة التحديات، ثم في الانتقال إلى التهدئة عندما نضجت ظروفها، تقدم درساً سياسياً يتجاوز حدود الإقليم، فالدول لا تُقاس بقدرتها على خوض الحروب فحسب، بل بقدرتها على منع الحروب التي لا تخدم مصالحها، و على رفض الانجرار إلى صراعاتٍ يحدد الآخرون توقيتها، أو أهدافها، أو نهاياتها. هكذا تُكتب مكانة الدول في التاريخ، ليست بكثرة الحروب التي تخوضها، و لا بكثرة التحالفات التي تعقدها، بل بقدرتها على أن يبقى قرار الحرب قرارها، و قرار السلام قرارها، و أن تظل مصالحها الوطنية هي البوصلة التي تهدي سياساتها، مهما تبدلت التحالفات، و تغيرت موازين القوى، و تعاقبت الأزمات.